الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مترددة في قبول الخاطب بسبب العيش في بلد تتعارض قوانينه مع الإسلام!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

عمري 26 عامًا، وُلدتُ وعشتُ طوال حياتي في إسبانيا، وأنا من أصلٍ عربي، والحمد لله على نعمة الإسلام.

تقدم شابٌّ لخطبتي للزواج، ووفقًا للبحث الذي أجريناه، يبدو أنه شابٌّ ذو دينٍ وخلقٍ حسن، ومستوفٍ للمتطلبات الأخرى الموصى بها، مثل القدرة على الإنفاق على البيت، لكن الشاب يعيش في فرنسا، وهذا ما دفعني إلى التردد واللجوء إلى السؤال في هذه المنصة.

الجالية الإسلامية في فرنسا أكبر بكثير من إسبانيا، ولكن هناك قوانين معينة في فرنسا تتعارض مع الإسلام، ولا توجد في إسبانيا، وهذا يولد لديَّ شعورًا بعدم الارتياح والشك.

أولًا: في فرنسا لا تستطيع الفتيات ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية حتى الجامعة، أي حتى سن 18 عامًا، وعلى الرغم من أنه يمكنهنَّ ارتداؤه خارج المدرسة، فإنهنَّ يُجبرن على عدم ارتدائه داخلها، رغم أنه واجب عند البلوغ في الإسلام، ويقلقني التفكير في أن يكون لديَّ بنات يعشن في هذه الظروف، ثم يسألني الله يوم القيامة: لماذا سمحتِ لهن بذلك؟ وماذا سأجيب؟

القرار بيدي في قبول العرض أو رفضه، وفي إسبانيا لا توجد مثل هذه القوانين.

ثانيًا: أرتدي الحجاب، ولكن دون تغطية الوجه، أي النقاب، ومع ذلك فكرتُ في كثيرٍ من الأحيان في ارتداء النقاب مستقبلًا، فالنقاب مسموحٌ به في إسبانيا، بينما لا يمكن ارتداؤه في فرنسا، وهذا أحد الأمور التي لا تعجبني.

هذان السببان يجعلانني أتردد في قبول الشاب أو رفضه، ويؤلمني في أعماق روحي التفكير في احتمال أن يحاسبني الله؛ لأنني قبلت الزواج من شاب يعيش في بلدٍ توجد فيه هاتان الصعوبتان فيما يتعلق بالإسلام، مهما كانت الجالية الإسلامية في فرنسا كبيرة.

ومن جهة أخرى بلغت هذا العمر، والزواج نصف الدين، وهو أمرٌ مهمٌّ في هذه الحياة، ولا أريد أن أضيع فرصةً جيدةً تُقدَّم لي، لذلك أنا بين كفتي الميزان، ولا أعرف ما هو الصواب، ولا أعرف ما القرار الصحيح!

صليت صلاة الاستخارة، وأثق بأن الله سيجلب لي الأفضل، ولكن من المهم أيضًا أن أتخذ قرارًا.

أشكركم على تقديم أي نصيحةٍ لي، وإرشادي إلى الطريق الصحيح، بارك الله فيكم، وجزاكم خير الجزاء.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ أسماء، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام، وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير، وأن يصلح الأحوال، وهنيئًا لكِ بهَذَا الحرص على الحجاب والستر، بل على مستقبل الأبناء ودينهم إذا رزقكِ الله بأبناءٍ، وهذه معانٍ ونياتٌ طيبة، نسأل الله أن يأجركِ عليها، وأن يعينكِ على الخير.

ابنتنا الفاضلة، إذا كان الشاب المتقدم من البلد المذكور صاحب دينٍ، وصاحب أخلاقٍ، ومؤتمنًا، وفيه المواصفات المطلوبة؛ فلا نرى الرفض، بل نرى الارتباط به، والتعاون معه على البر والتقوى، والحِرص على طاعة الله تبارك وتعالى؛ لأن الله في الأوامر قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

ولعل لأهلنا في فرنسا وللعلماء والجالية المسلمة هناكَ من الفقه ما يعينها على تجاوز تلكَ الصعاب؛ هَذَا بالنسبة للنقطة الأولى.

أمَّا بالنسبة لمجيء الأطفال، وكونهم يُمنعون من ارتداء الحجاب؛ فإذا تزوجتِ ورزقكِ الله ببناتٍ وبلغن مرحلة الحجاب، ولم تتغير تلكَ القوانين؛ فلكم أن تفعلوا مثل غيركم، فكثيرون يأتون للخليج وللبلاد العربية وينتقلون بأبنائهم عندما يصلون هذه المرحلة؛ ليربوهم على الدين والقرآن، والفتيات على الحجاب، وتأتينا نماذج ناجحةٌ نجاحًا منقطع النظير؛ قد حفظوا كتاب الله في هذه الدول، ولديهم من التدين ما ليس عند غيرهم، فنتعجب كيف حفظوا كتاب الله! كيف حافظوا على دينهم! كيف حافظوا على ثوابتهم! وعندما يصلون إلى المرحلة التي يعجزون فيها؛ هناكَ يأتي الفرار إلى الله، هناكَ تأتي الهجرة إلى الله تبارك وتعالى؛ من أجل أن يعبد الإنسان ربه كما يريد.

وكثيرٌ من هؤلاء يأتي إلى الخليج وإلى بلادٍ عربيةٍ، فيكملون مشوار حياتهم بعد أن أسسوا أنفسهم وأبناءهم علميًّا، ثم يأتون إلى هذه البيئات العربية؛ ليُكملوا بعد ذلكَ حياتهم مع هؤلاء الأبناء، حتى يتجاوزوا تلكَ المراحل الصعبة.

وحتى عند تربية الصغارُ في تلك البلاد؛ الخلل الموجود في المناهج وفي الحياة تسده المراكز الإسلامية، وتسده المساجد، ويسده التلاقي الأسري مع أسرٍ مسلمةٍ تتعاون على البر والتقوى، ولذلكَ الذي يحرص على الدين سيجد وسيُعان بتوفيقٍ من الله تبارك وتعالى.

ولذلكَ نحن لا نرى التفريط في شابٍّ متدينٍ، ولكن أيضًا ينبغي أن تتأكدوا من صدق تدينه، ومن تطابق الأفكار، ومن الحرص على الطاعة لله تبارك وتعالى، والحرص على المقاومة من أجل ما يُرضي الله تبارك وتعالى؛ فهذه معانٍ من المعاني المهمة جدًّا التي لا بد أن نستصحبها، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُقدِّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به.

الشاب لا بد أن يعرف هذه المخاوف منك، واسمعي إجابته عنها، ونتمنى أن يكون هو أيضًا حريصًا على قبولها؛ لأنه إذا كان حريصًا وعندكم مجالٌ، فمنذ الوهلة الأولى عندما تتزوجون وتنتقلون إلى إسبانيا، تنتقلون إلى أي بلدٍ يستطيع فيه المسلم أن يطيع الله كما يريد، وأن يعبد الله كما يريد، وإذا أحبكِ الزوج تبعكِ.

ورزق الله واسعٌ، والبلاد واسعةٌ، والرزق كُتب ونحن في بطون أمهاتنا؛ فلم ترتبط الأرزاق ببلدٍ دون بلدٍ، ولكن الرزق يطارد الإنسان كما الأجل، ولن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» أي خذوا ما حل، ودعوا ما حُرِّم عليكم، وفي الحديث: (ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته) فطالما المسلم يحرص ويتقيد بالحلال ويجتهد في طاعة الله؛ فهذا دليلٌ على الخير الذي فيه، ونحن في حياتنا بحاجةٍ إلى أن نجاهد شياطين الإنس والجن، وأن نجاهد أصحاب الشهوات، وأن نجاهد أصحاب الباطل، إلى أن نثبت على هَذَا الدين، والجنان مهرها غالٍ.

نسأل الله أن يسعدكم في الدنيا، وأن يجمعنا جميعًا في جنته ودار كرامته؛ هو وليُّ ذلكَ والقادر عليه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً