الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ص: ( أو حجامة ) ش: حمله الشارح على أن مراده من احتجم في نهار رمضان، فظن أن صومه قد بطل  فأفطر، فعليه القضاء مع الكفارة.

                                                                                                                            ثم اعترض عليه بأن ذلك قول ابن حبيب، وهو خلاف قول ابن القاسم .

                                                                                                                            زاد في الكبير : فذكر عن النوادر ما نصه: قال ابن حبيب : كل متأول في الفطر فلا يكفر إلا في التأويل البعيد، مثل أن يغتاب أو يحتجم، فتأول أنه أفطر لذلك.

                                                                                                                            ثم قال: ومن العتبية : قال عيسى عن ابن القاسم فيمن احتجم في رمضان فتأول: إن له الفطر فليس عليه إلا القضاء، وقال أصبغ : هذا تأويل بعيد، انتهى كلام النوادر .

                                                                                                                            ثم قال الشارح: فانظر كيف جعل مسألة الحجامة من التأويل البعيد، وهو خلاف قول ابن القاسم، اللهم إلا أن تحمل مسألة ابن حبيب على فاعل الحجامة كما هو ظاهر لفظه، ومسألة ابن القاسم على المحتجم كما نص عليه، إن ظهر بينهما فرق، انتهى.

                                                                                                                            ( قلت ) : ما ذكره عن النوادر هو كذلك، والاحتمال الذي أراد الجمع به بعيد.

                                                                                                                            أما أولا فلا يظهر أن بين تأويل الحاجم والمحتجم الإفطار فرقا؛ لأن مستند كل منهما في تأويل الإفطار قوله صلى الله عليه وسلم : " أفطر الحاجم والمحتجم " رواه البخاري معلقا عن الحسن عن غير واحد مرفوعا، ورواه أصحاب السنن .

                                                                                                                            وأما ثانيا: فقد نقل ابن يونس واللخمي وأبو الحسن الصغير كلام ابن حبيب بلفظ: يحتجم- وجعلوه خلاف قول ابن القاسم . وكذلك المصنف في التوضيح، وابن عرفة، وغيرهما من الشيوخ فرضوا المسألة فيمن احتجم، وجعلوا قول ابن حبيب خلاف قول ابن القاسم، ولما ذكر ابن رشد في رسم سلف من سماع عيسى كلام ابن القاسم المتقدم، قال في شرحه: وأوجب عليه ابن حبيب في الواضحة الكفارة، ورآه من التأويل البعيد، انتهى.

                                                                                                                            وإذا كان ابن حبيب يقول بالكفارة في المحتجم إذا تأول، فالحاجم مثله، أو أحرى بوجوب الكفارة.

                                                                                                                            ولفظ ابن حبيب في مختصر [ ص: 440 ] الواضحة لفضل بن مسلمة - صالح لأن يحمل على كل منهما أو عليهما جميعا؛ فإنه قال: وكذلك الذي يتأول الإفطار مع الحجامة فيفطر، فعليه الكفارة، انتهى.

                                                                                                                            فتحصل من هذا: أن مسألة المحتجم فيها قولان لابن القاسم وابن حبيب، كما حكاه أهل المذهب.

                                                                                                                            وأما مسألة الحاجم فليس فيها إلا ما يفهم من كلام صاحب النوادر الذي نقله عن ابن حبيب، وكونها مساوية لمسألة المحتجم أو أحرى بوجوب الكفارة، وأما ما نقلوه عن ابن القاسم، فليس فيه تعرض لنفي الكفارة فيها، إلا أن الذي يظهر أنه لا فرق بينهما، وأن ابن القاسم يقول بسقوط الكفارة فيها أيضا لما ذكرناه، وأن قوله أظهر من قول ابن حبيب؛ لأنه تقدم أن ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح قالا: إن التأويل القريب هو ما كان مستندا لسبب موجود، والتأويل البعيد ما كان مستندا لسبب غير موجود، كمسألتي الحمى والحيض، ومثله أيضا يقال في مسألة الغيبة - أعني من اغتاب في نهار رمضان فظن أن ذلك يبطل صومه فأفطر لذلك   - ولكني لم أر فيها إلا قول ابن حبيب بوجوب الكفارة .

                                                                                                                            ( تنبيهات ) :

                                                                                                                            الأول: جزم البساطي بحمل كلام المصنف على الاحتمال الذي ذكره الشارح، فقال: قوله : ( أو حجامة ) يعني: من حجم غيره، وأما من احتجم فعليه القضاء فقط عند ابن القاسم .

                                                                                                                            قال: فإن قلت: ما الموجب لهذا المحتمل- قلت: إذا اطلعت على الروايات علمت وجه ذلك، ثم ذكر كلام النوادر، ثم قال: وهذا يوجب الحمل على ما حمل.

                                                                                                                            ثم قال فإن قلت: لعل المشهور ما قاله ابن حبيب وأن كلامه عام فيمن حجم أو احتجم، أو خاص بمن احتجم وتأول كلامه- قلت: هو محتمل على المعنى الثاني، لكن في تأويل حجم باحتجم بعد، انتهى.

                                                                                                                            ( قلت ) : وقد تقدمت نصوص أهل المذهب، وأن الذي يظهر لي أن كلام ابن حبيب وكلام المصنف عام فيمن حجم غيره أو احتجم، وأن ابن القاسم يخالف في الوجهين، وأن قوله الراجح، والله أعلم.

                                                                                                                            الثاني: تقدم أن إفساد الصوم بالغيبة حكي عن سفيان وعن مجاهد، وأما الحجامة فحكى صاحب الطراز عن ابن حنبل وابن إسحاق أنهما قالا: يفطر الحاجم والمحجوم، وقال: وعن ابن حنبل رواية أن فيه الكفارة، قال: وهو قول عطاء ، واختاره ابن المنذر ومحمد بن إسحاق، واحتجوا بالحديث السابق. واحتج الجمهور بأنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم .

                                                                                                                            الثالث: أجاب العلماء عن الحديث المذكور بوجوه: إما أنه منسوخ كما جزم به الشافعي . أو بأن معناه تعرض للإفطار، أما المحجوم فللضعف، وأما الحاجم فلأنه لا يأمن من أن يصل إلى جوفه شيء بالمص. أو بأن معناه نقصان الأجر، والله أعلم.

                                                                                                                            الرابع: من التأويل البعيد مسألة الصيام في السفر من بيت الصيام ثم أفطر متأولا، فإن عليه الكفارة على مذهب المدونة الذي مشى عليه المصنف، وسواء أفطر في السفر أو بعد دخوله إلى الحضر، كما تقدم بيانه.

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية