الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَقَاوِيلِ الْعَارِفِينَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَالْمَقَابِرِ وَحُكْمِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ . اعْلَمْ أَنَّ الْجَنَائِزَ عِبْرَةٌ لِلْبَصِيرِ وَفِيهَا تَنْبِيهٌ وَتَذْكِيرٌ لِأَهْلِ الْغَفْلَةِ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُهُمْ مُشَاهَدَتُهَا إِلَّا قَسَاوَةً ; لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَبَدًا إِلَى جِنَازَةِ غَيْرِهِمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ لَا مَحَالَةَ عَلَى الْجَنَائِزِ يُحْمَلُونَ أَوْ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ عَلَى الْقُرْبِ لَا يُقَدِّرُونَ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ أَنَّ الْمَحْمُولِينَ عَلَى الْجَنَائِزِ هَكَذَا كَانُوا يَحْسَبُونَ فَبَطَلَ حُسْبَانُهُمْ وَانْقَرَضَ عَلَى الْقُرْبِ زَمَانُهُمْ فَلَا يَنْظُرُ عَبْدٌ إِلَى جِنَازَةٍ إِلَّا وَيُقَدِّرُ نَفْسَهُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا عَلَى الْقُرْبِ وَكَأَنَّ قَدْ وَلَعَلَّهُ فِي غَدٍ أَوْ بَعْدَ غَدٍ . وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ : امْضُوا فَإِنَّا عَلَى الْأَثَرِ . وَكَانَ مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ إِذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ : اغْدُوَا فَإِنَّا رَائِحُونَ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ يَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ لَا عَقْلَ لَهُ . وَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ مَا شَهِدْتُ جِنَازَةً فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِشَيْءٍ سِوَى مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ وَمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ . وَلَمَّا مَاتَ أَخُو مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ خَرَجَ مَالِكٌ فِي جِنَازَتِهِ يَبْكِي وَيَقُولُ : وَاللَّهِ لَا تَقَرُّ عَيْنِي حَتَّى أَعْلَمَ إِلَى مَاذَا صِرْتُ إِلَيْهِ وَلَا أَعْلَمَ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَقَالَ الْأَعْمَشُ كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَلَا نَدْرِي مَنْ نُعَزِّي لِحُزْنِ الْجَمِيعِ . وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَلَا نَرَى إِلَّا مُتَقَنِّعًا بَاكِيًا . فَهَكَذَا كَانَ خَوْفُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ . وَالْآنَ لَا نَنْظُرُ إِلَى جَمَاعَةٍ يَحْضُرُونَ جِنَازَةً إِلَّا وَأَكْثَرُهُمْ يَضْحَكُونَ وَيَلْهُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي مِيرَاثِهِ وَمَا خَلَّفَهُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا يَتَفَكَّرُ أَقْرَانُهُ وَأَقَارِبُهُ إِلَّا فِي الْحِيلَةِ الَّتِي بِهَا يَتَنَاوَلُ بَعْضُ مَا خَلَّفَهُ وَلَا يَتَفَكَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فِي جِنَازَةِ نَفْسِهِ وَفِي حَالِهِ إِذَا حُمِلَ عَلَيْهَا وَلَا سَبَبَ لِهَذِهِ الْغَفْلَةِ إِلَّا قَسْوَةُ الْقُلُوبِ بِكَثْرَةِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ حَتَّى نَسِينَا اللَّهَ تَعَالَى وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَالْأَهْوَالَ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا فَصِرْنَا نَلْهُو وَنَغْفُلُ وَنَشْتَغِلُ بِمَا لَا يَعْنِينَا . فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْيَقَظَةَ مِنْ هَذِهِ الْغَفْلَةِ فَإِنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْجَنَائِزِ بُكَاؤُهُمْ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَوْ عَقَلُوا لَبَكَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا عَلَى الْمَيِّتِ . نَظَرَ إِبْرَاهِيمُ الزَّيَّاتُ إِلَى أُنَاسٍ يَتَرَحَّمُونَ عَلَى الْمَيِّتِ فَقَالَ لَوْ تَرَحَّمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ لَكَانَ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّهُ نَجَا مِنْ أَهْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَجْهُ مَلَكِ الْمَوْتِ وَقَدْ رَأَى وَمَرَارَةُ الْمَوْتِ وَقَدْ ذَاقَ وَخَوْفُ الْخَاتِمَةِ وَقَدْ أَمِنَ . وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ جَلَسْتُ إِلَى جَرِيرٍ وَهُوَ يُمْلِي عَلَى كَاتِبِهِ شِعْرًا فَاطَّلَعَتْ جِنَازَةٌ فَأَمْسَكَ وَقَالَ شَيَّبَتْنِي وَاللَّهِ هَذِهِ الْجَنَائِزُ . وَأَنْشَأَ يَقُولُ: .. تُرَوِّعُنَا الْجَنَائِزُ مُقْبِلَاتٍ وَنَلْهُو حِينَ تَذْهَبُ مُدْبِرَاتِ كَرَوْعَةِ ثُلَّةٍ لِمُغَارِ ذِئْبٍ فَلَّمَا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ . إتحاف السادة المتقين (الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَقَاوِيلِ الْعَارِفِينَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَالْمَقَابِرِ وَحُكْمِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) (اعْلَمْ) بَصَّرَكَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ الْجِنَازَةَ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: بِالْكَسْرِ الْمَيِّتُ نَفْسُهُ وَبِالْفَتْحِ السَّرِيرُ، وَرَوَى أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَكْسَ هَذَا فَقَالَ: بِالْكَسْرِ السَّرِيرُ وَبِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ نَفْسُهُ (عِبْرَةٌ لِلْبَصِيرِ وَفِيهَا تَنْبِيهٌ وَتَذْكِيرًا لَا لِأَهْلِ الْغَفْلَةِ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُهُمْ مُشَاهَدَتُهَا إِلَّا قَسَاوَةً; لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَبَدًا إِلَى جِنَازَةِ غَيْرِهِمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ لَا مَحَالَةَ عَلَى الْجَنَائِزِ) أَيْ: السُّرُرِ (يُحْمَلُونَ أَوْ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ عَلَى الْقُرْبِ لَا يُقَدِّرُونَ) أَيْ: لَا يُقَدِّرُونَ الْمَوْتَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَرِيبًا (وَلَا يَتَفَكَّرُونَ أَنَّ الْمَحْمُولِينَ عَلَى الْجَنَائِزِ هَكَذَا) كَانُوا (يَحْسَبُونَ فَبَطَلَ حُسْبَانُهُمْ وَانْقَرَضَ عَلَى الْقُرْبِ زَمَانُهُمْ فَلَا يَنْظُرَنَّ عَبْدٌ إِلَى جِنَازَةٍ إِلَّا وَيُقَدِّرُ نَفْسَهُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا وَكَانَ قَدْ) حَمَلَ عَلَيْهَا (وَلَعَلَّهُ فِي غَدٍ أَوْ بَعْدَ غَدٍ) وَمَا أَقْرَبَ ذَلِكَ إِذْ كَلُّ آتٍ قَرِيبٌ (يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ: امْضُوا فَأَنَا عَلَى الْأَثَرِ) أَيْ لَاحِقُونَ بِكُمْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِجِنَازَةٍ قَالَ: رَوِّحِي فَإِنَّا غَادُونَ أَوِ اغْدِي فَإِنَّا رَائِحُونَ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ يَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَيَبْقَى الْآخِرُ لَا عَقْلَ لَهُ (وَكَانَ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ) فَقِيهُ الشَّامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (إِذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ: اغْدُوَا فَإِنَّا رَائِحُونَ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ يَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ لَا عَقْلَ لَهُ) هَذَا الْقَوْلُ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ إِذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ: اغْدُوَا فَإِنَّا رَائِحُونَ أَوْ رَوِّحُوا فَإِنَّا غَادُونَ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَذْهَبُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلُ وَيَبْقَى الْأَخِيرُ لَا حُلْمَ لَهُ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ كِتَابِ الْمُتَفَجِّعِينَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ: رَوِّحِي فَإِنَّا غَادُونَ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةُ وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَيَبْقَى الْآخَرُ لَا فِكْرَةَ لَهُ وَلَا حُلْمَ (وَقَالَ) أَبُو يَحْيَى (أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا ابْنُ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ أَحَدُ النُّقَبَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ (مَا شَهِدْتُ جِنَازَةً فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِشَيْءٍ سِوَى مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ وَمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ) . رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ وَأَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ أُسِيدٌ مِنْ أَفَاضِلِ النَّاسِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ أَنِّي أَكُونُ كَمَا أَكُونُ عَلَى أَحْوَالٍ ثَلَاثٍ لَكَنْتُ حِينَ اقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ حِينَ أَسْمَعُهُ يُقْرَأُ، وَإِذَا سَمِعْتُ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا شَهِدْتُ جِنَازَةً وَمَا شَهِدْتُ جِنَازَةً قَطُّ، فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِسِوَى مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا وَمَا هِيَ صَائِرَةٌ إِلَيْهِ (وَلَمَّا مَاتَ أَخُو مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ) الْبَصْرِيُّ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (خَرَجَ مَالِكٌ فِي جِنَازَتِهِ) وَهُوَ يَبْكِي (وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا تَقَرُّ عَيْنِي حَتَّى أَعْلَمَ إِلَى مَاذَا صِرْتُ وَلَا أَعْلَمَ مَا دُمْتُ حَيًّا) . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ (وَقَالَ) سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ (الْأَعْمَشُ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَلَا نَدْرِي مَنْ نَعْزِي لِحُزْنِ الْجَمِيعِ) . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو الْأَوِدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَشْهَدُ الْجِنَازَةَ فَلَا نَدْرِي مَنْ نُعَزِّي لِحُزْنِ الْقَوْمِ (وَقَالَ) أَبُو مُحَمَّدٍ (ثَابِتُ) بْنُ أَسْلَمَ (الْبُنَانِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَلَا نَرَى إِلَّا مُتَقَنِّعًا بَاكِيًا) . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: كُنَّا نَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ فَمَا نَرَى إِلَّا مُتَقَنِّعًا بَاكِيًا أَوْ مُتَقَنِّعًا مُتَفَكِّرًا (فَهَكَذَا كَانَ خَوْفُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ وَالْآنَ لَا تَنْظُرُ إِلَى جَمَاعَةٍ يَحْضُرُونَ جِنَازَةً إِلَّا وَأَكْثَرُهُمْ يَضْحَكُونَ وَيَلْهُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي مِيرَاثِهِ وَمَا خَلَّفَهُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا يَتَفَكَّرُ أَقْرَانُهُ وَأَقَارِبُهُ إِلَّا فِي الْحِلْيَةِ الَّتِي بِهَا يَتَنَاوَلُ بَعْضُ مَا خَلَّفَهُ) نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ، وَقَدْ رَوَى صَاحِبُ كِتَابُ الْمُتَفَجِّعِينَ عَنِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: رَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: أَتَضْحَكُ مَعَ الْجِنَازَةِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا؟ ذَكَرَ سُفْيَانُ إِسْنَادَهُ، فَقَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَحْرٍ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، قَالَ: رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: تَضْحَكُ وَأَنْتَ تَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: أَبُو بَحْرٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ حَسَنٌ هُوَ صَاحِبٌ لَنَا، وَكَانَ مَعَنَا وَقَدْ رَأَيْتُهُ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي عَنْهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَأَى رَجُلًا يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ لَهُ تَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، وَمِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَمِّهِ الْمُهَاصِرِ، قَالَ: مَوْطِنَانِ لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَضْحَكَ مِنْهُمَا الْقِرْدُ حِينَ يَرَاهُ وَمَطْلَعُهُ إِلَى الْقَبْرِ . (وَلَا يَتَفَكَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فِي جِنَازَةِ نَفْسِهِ وَفِي حَالِهِ إِذَا حُمِلَ عَلَيْهَا وَلَا سَبَبَ لِهَذِهِ الْغَفْلَةِ إِلَّا قَسْوَةُ الْقُلُوبِ بِكَثْرَةِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ حَتَّى نَسِينَا اللَّهَ تَعَالَى وَ) نَسِينَا (الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ) نَسِينَا (الْأَهْوَالَ) الْعَظِيمَةَ (الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا فَصِرْنَا نَلْهُو) وَنَلْعَبُ (وَنَغْفُلُ وَنَشْتَغِلُ بِمَا لَا يَعْنِينَا) وَلَا يُهِمُّنَا (فَاسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى الْيَقَظَةَ) وَالِانْتِبَاهَ (مِنْ هَذِهِ الْغَفْلَةِ فَإِنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْجَنَائِزِ بُكَاؤُهُمْ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَوْ عَقَلُوا لَبَكَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا عَلَى الْمَيِّتِ) يُحْكَى أَنَّهُ (نَظَرَ إِبْرَاهِيمُ الزَّيَّاتُ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (إِلَى أُنَاسٍ يَتَرَحَّمُونَ عَلَى مَيِّتٍ فَقَالَ لَوْ تَرَحَّمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ لَكَانَ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّهُ نَجَا مِنْ أَهْوَالٍ ثَلَاثَةٍ) كُلٌّ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ، الْهَوْلُ الْأَوَّلُ (وَجْهُ مَلَكِ الْمَوْتِ قَدْ رَأَى) فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يَرَاهُ بِصُورَتِهِ فَيَذْهَلُ مِنْ مُشَاهَدَتِهَا (وَ) الْهَوْلُ الثَّانِي (مَرَارَةُ الْمَوْتِ وَقَدْ ذَاقَ) وَنَاهِيكَ بِهَا مَرَارَةٌ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصْفِ (وَ) الْهَوْلُ الثَّالِثُ (خَوْفُ الْخَاتِمَةِ) بِأَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ (وَقَدْ أَمِنَ) مِنْهُ (وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ) بْنِ عَمَّارِ بْنِ الْعُرْيَانِ الْمَازِنِيُّ النَّحْوِيُّ الْقَارِئُ ثِقَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ فَقِيلَ: زَبَانُ وَقِيلَ: الْعُرْيَانُ وَقِيلَ: يَحْيَى وَقِيلَ: جُزْءٌ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَالثَّانِي أَصَحُّ عِنْدَ الصَّوْلِيِّ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةً، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ لَهُ وَابْنُ مَاجَهْ فِي التَّفْسِيرِ لَهُ (جَلَسْنَا إِلَى جَرِيرِ) بْنِ الْخَطَفِيِّ وَاسْمُهُ عَطِيَّةُ بْنُ حُذَيْفَةَ (وَهُوَ يُمْلِي عَلَى كَاتِبِهِ شِعْرًا) فَيَكْتُبُهُ (فَاطَّلَعَتْ جِنَازَةٌ فَامْسِكْ) عَنِ الْإِمْلَاءِ (وَقَالَ شَيَّبَتْنِي وَاللَّهِ هَذِهِ الْجِنَازَةُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ .. . تُرَوِّعُنَا الْجَنَائِزُ مُقْبِلَاتٍ وَنَلْهُو حِينَ تَذْهَبُ مُدْبِرَاتِ كَرَوْعَةِ ثُلَّةٍ لِمُغَارِ ذِئْبٍ فَلَّمَا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ ) رَّوْعَةُ الْمَخَافَةُ، وَالثُّلَّةُ جَمَاعَةُ الْغَنَمِ، وَالْمُغَارُ الْإِغَارَةُ، وَقَالَ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الْمُتَفَجِّعِينَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا نَصْرُ بْنُ قَدِيدٍ اللَّيْثِيُّ لِعُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ اللَّيْثِيِّ: نُرَاعُ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا وَيُحْزِنُنَا بُكَاءُ الْبَاكِيَاتِ كَرَوْعَةِ ثُلَّةٍ لِمُغَارِ سَبُعٍ فَلَّمَا غَابَ عَادَتْ رَائِعَاتِ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَتَعَجَّبُ لِبَيْتَيْ لَبِيَدٍ: وَنُحْدِثُ فَزْعَاتٍ لَدَى كُلَّ رَوْعَةٍ وَنُسْرِعُ نِسْيَانًا وَلَمْ يَأْتِنَا أَمْنُ وَإِنَّا وَلَا كُفْرَانَ لِلَّهِ رَبِّنَا لَكَالْبَدَنِ مَا تَدْرِي مَتَى يَوْمُهَا الْبَدَنُ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية