الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال يحيى بن معاذ الإخلاص يميز العمل من العيوب ، كتمييز اللبن من الفرث والدم .

وقيل : كان رجل يخرج في زي النساء ويحضر كل موضع يجتمع فيه النساء من عرس أو مأتم فاتفق أن حضر يوما موضعا فيه مجمع للنساء ، فسرقت درة ، فصاحوا أن أغلقوا الباب حتى نفتش فكانوا يفتشون واحدة واحدة ، حتى بلغت النوبة إلى الرجل ، وإلى امرأة معه ، فدعا الله تعالى بالإخلاص وقال : إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا فوجدت الدرة مع تلك المرأة فصاحوا أن ، أطلقوا الحرة فقد وجدنا الدرة وقال بعض الصوفية : كنت قائما مع أبي عبيد التستري وهو يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة ، فمر به بعض إخوانه من الأبدال فساره بشيء فقال أبو عبيد : لا ، فمر كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب عن عيني فقلت لأبي عبيد : ما قال لك ؟ فقال : سألني أن أحج معه قلت لا قلت : فهلا فعلت ؟! قال : ليس لي في الحج نية ، وقد نويت أن أتمم هذه الأرض العشية ، فأخاف إن حججت معه لأجله تعرضت لمقت الله تعالى ؛ لأني أدخل في عمل الله شيئا غيره ، فيكون ما أنا فيه أعظم عندي من سبعين حجة .

ويروى عن بعضهم قال : غزوت في البحر ، فعرض بعضنا مخلاة فقلت : أشتريها ، فأنتفع بها في غزوي ، فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها ، فاشتريتها فرأيت تلك الليلة في النوم كأن شخصين قد نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه : اكتب الغزاة فأملى ، عليه : خرج فلان متنزها ، وفلان مرائيا ، وفلان تاجرا ، وفلان في سبيل الله ، ثم نظر إلي ، وقال : اكتب فلان خرج تاجرا ، فقلت الله : الله في أمري ما خرجت أتجر ، وما معي تجارة أتجر فيها ، ما خرجت إلا للغزو ، فقال يا شيخ ، قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها ، فبكيت وقلت : لا تكتبوني تاجرا ، فنظر إلى صاحبه ، وقال : ما ترى ؟ فقال : اكتب خرج فلان غازيا ، إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله عز وجل فيه بما يرى .

وقال سري السقطي رحمه الله تعالى لأن تصلي ركعتين في خلوة تخلصهما خير لك من أن تكتب سبعين حديثا ، أو سبعمائة بعلو وقال بعضهم : في إخلاص ساعة نجاة الأبد ، ولكن الإخلاص عزيز ويقال : العلم بذر ، والعمل زرع ، وماؤه الإخلاص وقال بعضهم : إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا ومنعه ثلاثا ، أعطاه صحبة الصالحين ، ومنعه القبول منهم ، وأعطاه الأعمال الصالحة ومنعه الإخلاص فيها ، وأعطاه الحكمة ومنعه الصدق فيها وقال السوسي مراد الله من عمل الخلائق الإخلاص فقط وقال الجنيد إن لله عبادا عقلوا فلما عقلوا عملوا فلما عملوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع وقال محمد بن سعيد المروزي الأمر كله يرجع إلى أصلين : فعل منه بك ، وفعل منك له ، فترضى ما فعل وتخلص فيما تعمل فإذن أنت سعدت بهذين وفزت في الدارين .

التالي السابق


(وقال يحيى بن معاذ ) الرازي -رحمه الله تعالى-: (الإخلاص تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من الفرث والدم ) نقله صاحب القوت .

(وقيل: كان رجل يخرج في زي النساء ) أي: على هيئتهن في اللبس (ويحضر كل موضع تجتمع فيه النساء من عرس أو مأتم ) أي: في فرح أو مصيبة (فاتفق ) في بعض المرات (أن حضر يوما موضعا فيه مجمع للنساء، فسرقت درة، فصاحوا أن أغلقوا الباب حتى نفتش ) من حضر من النساء في ذلك الموضع (فكانوا يفتشون واحدة واحدة، حتى بلغت النوبة إلى الرجل، وإلى امرأة معه، فدعا الله تعالى بالإخلاص ) أي: بخالص النية من القلب، وعقد في نفسه (وقال: إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا ) أبدا (فوجدت الدرة مع تلك المرأة، فصاحوا أن أطلقوا الحرة فقد وجدنا الدرة ) فهذه الحكاية دلت على أن الإخلاص في النية هو المنجي من الفضائح الدنيوية والأخروية .

(وقال بعض الصوفية : كنت قائما مع أبي عبيد ) محمد بن حسان (البسري ) نسبة إلى بسر بالضم وسكون المهملة إلى قرية من قرى حوران بالشام، حكى عنه ابنه بخيت، قاله الحافظ في التبصير، وقال القشيري في الرسالة: هو من قدماء المشايخ، صحب أبا تراب النخشبي (وهو يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة، فمر به بعض إخوانه من الأبدال فساره بشيء ) في أذنه (فقال أبو عبيد: لا، فمر كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب عن عيني ) قال: (فقلت لأبي عبيد: ما قال لك؟ فقال: سألني أن أحج معه قلت لا ) قال: (قلت: فهلا فعلت؟! قال: ليس لي في الحج نية، وقد نويت أن أتمم هذه الأرض العشية، فأخاف إن حججت معه لأجله تعرضت لمقت الله تعالى؛ لأني أدخل في عمل الله تعالى شيئا غيره، فيكون ما أنا فيه أعظم عندي من سبعين حجة ) هكذا نقله صاحب القوت .

وقال القشيري في الرسالة: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أحمد بن محمد يقول: سمعت محمد بن معمر يقول: سمعت أبا زرعة يقول: كان أبو عبيد البسري يوما على جرجر يدرس قمحا له، وبينه وبين الحج ثلاثة أيام، إذ أتاه رجلان، فقالا: يا أبا عبيد تنشط للحج؟ فقال: لا، ثم التفت إلي وقال: شيخك على هذا أقدر منهما، يعني نفسه .

(ويروى عن بعضهم قال: غزوت في البحر، فعرض بعضنا مخلاة ) أي: للبيع، والمخلاة ما يوضع فيه العلف للدواب (فقلت: أشتريها، فأنتفع بها في غزوي، فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها، فاشتريتها ) منه (فرأيت تلك الليلة في النوم كأن شخصين نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه: اكتب الغزاة، فأملى عليه: اكتب خرج فلان متنزها، وفلان مرائيا، وفلان تاجرا، وفلان في سبيل الله، ثم نظر إلي، وقال: اكتب فلان خرج تاجرا، فقلت: الله الله في أمري ) والله (ما خرجت أتجر، وما معي تجارة أتجر فيها، ما خرجت إلا للغزو، فقال ) لي: (يا شيخ، قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها، فبكيت وقلت: لا تكتبوني تاجرا، فنظر إلى صاحبه، وقال: ما ترى؟ فقال: اكتب خرج فلان غازيا، إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله -عز وجل- فيها ما يرى ) نقله صاحب القوت .

فهذه الحكاية تعرفك أن الإشراك في النية تنزيل عن مقام الإخلاص، فإذا: خلاص النية بخروج امتدادها من القلب والقصد والهمة؛ لتنفرد النية بقصدها، ويخلص العمل بانفراد النية لوجه الواحد الفرد المقصود بها .

(وقال سري ) بن المفلس (السقطي ) رحمه الله تعالى: لأن (تصلي ركعتين في خلوة تخلصهما خير لك من أن تكتب سبعين حديثا، أو قال سبعمائة ) حديث (بعلو ) نقله صاحب [ ص: 49 ] القوت .

وقد روى أبو الشيخ وابن عساكر من حديث جابر : "من صلى ركعتين في خلاء لا يراه إلا الله -عز وجل- والملائكة كانت له براءة من النار" ورواه الضياء بلفظ: "كتبت له" وروى أبو الشيخ من حديث ابن عمر : "من صلى ركعتين في السر رفع عنه اسم النفاق".

(وقال بعضهم: في إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز ) أي: لصعوبته (ويقال: العلم بذر، والعمل زرع، وماؤه الإخلاص ) فكما أن الزرع لا ينمو إلا بالماء كذلك العمل لا ينمو إلا بالإخلاص .

(وقال بعضهم: إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا ومنعه ثلاثا، أعطاه صحبة الصالحين، ومنعه القبول منهم، وأعطاه الأعمال الصالحة ومنعه الإخلاص فيها، وأعطاه الحكمة ومنعه الصدق فيها ) فالقبول والإخلاص والصدق من جملة أمارات الحب .

(وقال ) أبو يعقوب (السوسي ) رحمه الله تعالى: (مراد الله من عمل الخلائق الإخلاص فقط ) أن لا يشركوا فيه غيره .

(وقال الجنيد ) قدس سره: (إن لله عبادا عقلوا ) فيما أعطوا (فلما عقلوا عملوا ) بما علموا (فلما علموا أخلصوا ) لوجهه (فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع ) نقله صاحب القوت .

(وقال محمد بن سعيد ) بن إبراهيم (المروزي ) رحمه الله تعالى: (الأمر كله يرجع إلى أصلين: فعل منه بك، وفعل منك له، فترضى ما فعل ) بك (وتخلص فيما تعمل ) له (فإذا أنت قد سعدت بهذين ) الأصلين (وفزت في الدارين فإن المدار كله على الرضا والإخلاص وهو عين التوحيد ) .




الخدمات العلمية