الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ يَزُورُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَقِيلَ لَهُ : لَوْ أَخَّرْتَ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، قَالَ بَلَغَنِي : أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ وَقَالَ الضَّحَّاكُ مَنْ زَارَ قُبِرًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ السَّبْتِ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ قِيلَ : وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ : لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ وَقَالَ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ لَمَّا كَانَ زَمَنُ الطَّاعُونِ كَانَ رَجُلٌ يَخْتَلِفُ إِلَى الْجَبَّانَةِ فَيَشْهَدُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ فَإِذَا أَمْسَى وَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَقَابِرِ ، فَقَالَ : آنَسَ اللَّهُ وَحْشَتَكُمْ ، وَرَحِمَ غُرْبَتَكُمْ ، وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وَقَبِلَ اللَّهُ حَسَنَاتِكُمْ ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَالَ الرَّجُلُ : فَأَمْسَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي ، وَلَمْ آتِ الْمَقَابِرَ فَأَدْعُو كَمَا كُنْتُ أَدْعُو ، فَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذَا بِخَلْقٍ كَثِيرٍ قَدْ جَاءُونِي فَقُلْتُ : مَا أَنْتُمْ ؟ وَمَا حَاجَتُكُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ أَهْلُ الْمَقَابِرِ ، قُلْتُ : مَا جَاءَ بِكُمْ ؟ قَالُوا : إِنَّكَ قَدْ عَوَّدْتَنَا مِنْكَ هَدِيَّةً عِنْدَ انْصِرَافِكَ إِلَى أَهْلِكَ قُلْتُ : وَمَا هِيَ ؟ قَالُوا : الدَّعَوَاتُ الَّتِي كُنْتَ تَدْعُو لَنَا بِهَا قُلْتُ : فَإِنِّي أَعُودُ لِذَلِكَ فَمَا تَرَكَتْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ بَشَّارُ بْنُ غَالِبٍ النَّجْرَانِيُّ رَأَيْتُ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةَ الْعَابِدَةَ فِي مَنَامِي وَكُنْتُ كَثِيرَ الدُّعَاءِ لَهَا فَقَالَتْ لِي : يَا بَشَّارَ بْنَ غَالِبٍ هَدَايَاكَ تَأْتِينَا عَلَى أَطْبَاقٍ مِنْ نُورٍ مُخَمَّرَةٍ بِمَنَادِيلِ الْحَرِيرِ قُلْتُ : وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَتْ : وَهَكَذَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحْيَاءِ إِذَا دَعَوْا لِلْمَوْتَى ، فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ جُعِلَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ عَلَى أَطْبَاقِ النُّورِ وَخَمَّرَ بِمَنَادِيلِ الْحَرِيرِ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْمَيِّتُ فَقِيلَ لَهُ هَذِهِ هَدِيَّةُ فُلَانٍ إِلَيْكَ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ صَدِيقٍ لَهُ فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَإِنَّ هَدَايَا الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَاتَ أَخٌ لِي فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ : مَا كَانَ حَالُكَ حَيْثُ وُضِعْتَ فِي قَبْرِكَ ؟ قَالَ : أَتَانِي آتٍ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ فَلَوْلَا أَنَّ دَاعِيًا دَعَا لِي لَرَأَيْتُ أَنَّهُ سَيَضْرِبُنِي بِهِ . إتحاف السادة المتقين (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ) الْبَصْرِيُّ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (يَزُورُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَخَّرْتَ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ) . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (وَقَالَ الضَّحَّاكُ) بْنُ مُزَاحِمٍ الْهِلَالِيُّ الْمُفَسِّرُ: (مَنْ زَارَ قُبِرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ) . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَفِي شَرْحِ الصُّدُورِ لِلسُّيُوطِيِّ قَالَ السُّبْكِيُّ: عَوْدُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ فِي الْقَبْرِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ لِسَائِرِ الْمَوْتَى فَضْلًا عَنِ الشُّهَدَاءِ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي اسْتِمْرَارِهَا فِي الْبَدَنِ وَفِي أَنَّ الْبَدَنَ يَصِيرُ حَيًّا بِهَا كَحَالَتِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ حَيًّا بِدُونِهَا، وَهِيَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّ مُلَازَمَةَ الْحَيَاةِ لِلرُّوحِ أَمْرٌ عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ، فَهَذَا أَيْ أَنَّ الْبَدَنَ يَصِيرُ بِهَا حَيًّا كَحَالَتِهِ فِي الدُّنْيَا مِمَّا يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، فَإِنْ صَحَّ بِهِ سَمْعٌ اتُّبِعَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَشَهِدَ لَهُ صَلَاةُ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي قَبْرِهِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَسْتَدْعِي جَسَدًا حَيًّا وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كُلُّهَا صِفَاتُ الْأَجْسَامِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا حَيَاةً حَقِيقِيَّةً أَنْ تَكُونَ الْأَبْدَانُ مَعَهَا كَمَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ الَّتِي نَشْهَدُهَا بَلْ يَكُونُ لَهَا حُكْمٌ آخَرُ، وَأَمَّا الْإِدْرَاكَاتُ كَالْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ فَلَا نَشُكُّ أَنَّ ذَلِكَ ثَابَتٌ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْمَوْتَى، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مَسْأَلَةِ تَزَاوُرِ الْأَرْوَاحِ وَتَلَاقِيهَا: إِنَّ الْأَرْوَاحَ قِسْمَانِ مُنَعَّمَةٌ وَمُعَذَّبَةٌ، فَأَمَّا الْمُعَذَّبَةُ فَهِيَ فِي شُغْلٍ عَنِ التَّزَاوُرِ وَالتَّلَاقِي، وَأَمَّا الْمُنَعَّمَةُ الْمُرْسَلَةُ غَيْرُ الْمَحْبُوسَةِ فَتَتَلَاقَى وَتَتَزَاوَرُ وَتَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَيَكُونُ كُلُّ رُوحٍ مَعَ رَفِيقِهَا الَّذِي هُوَ مِثْلُ عَمَلِهَا وَرُوحُ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الْآيَةَ، وَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَفِي دَارِ الْبَرْزَخِ، وَفِي دَارِ الْجَزَاءِ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ فِي هَذِهِ الدُّورِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ الْيَافِعِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى تُرَدُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مِنْ عِلِّيِّينَ أَوْ مِنْ سِجِّينٍ إِلَى أَجْسَادِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ عِنْدَ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخُصُوصًا لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ وَيَجْلِسُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ وَيَنْعَمُ أَهْلُ النَّعِيمِ وَيُعَذَّبُ أَهْلُ الْعَذَابِ، قَالَ: وَتُخْتَصُّ الْأَرْوَاحُ دُونَ الْأَجْسَادِ بِالنَّعِيمِ أَوِ الْعَذَابِ مَا دَامَتْ فِي عِلِّيِّينَ أَوْ سِجِّينٍ، وَفِي الْقَبْرِ يَشْتَرِكُ الرُّوحُ وَالْجَسَدُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّائِرَ مَتَى جَاءَ عَلِمَ بِهِ الْمَزُورُ، وَسَمِعَ سَلَامَهُ وَأَنِسَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي حُقِّ الشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ أَثَرِ الضَّحَّاكِ الدَّالِّ عَلَى التَّوْقِيتِ (وَقَالَ) أَبُو مُحَمَّدٍ (بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ) السُّلَمِيُّ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ عَابِدٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مَاتَ سَنَّةَ ثَمَانِينَ (لَمَّا كَانَ زَمَنُ الطَّاعُونِ كَانَ رَجُلٌ يَخْتَلِفُ إِلَى الْجَبَانِ) أَيِ: الْمَقْبَرَةِ (فَيَشْهَدُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ فَإِذَا أَمْسَى وَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَقَابِرِ، فَقَالَ: آنَسَ اللَّهُ وَحْشَتَكُمْ، وَرَحِمَ غُرْبَتَكُمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَقَبِلَ اللَّهُ حَسَنَاتِكُمْ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَالَ الرَّجُلُ: فَأَمْسَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي، وَلَمْ آتِ الْمَقَابِرَ فَأَدْعُو كَمَا كُنْتُ أَدْعُو، فَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذَا بِخَلْقٍ كَثِيرٍ قَدْ جَاءُونِي فَقُلْتُ: مَا أَنْتُمْ؟ وَمَا حَاجَتُكُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْمَقَابِرِ، قُلْتُ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّكَ قَدْ عَوَّدْتَنَا مِنْكَ هَدِيَّةً عَنِ انْصِرَافِكَ إِلَى أَهْلِكَ قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالُوا: الدَّعَوَاتُ الَّتِي كُنْتَ تَدْعُو قُلْتُ: فَإِنِّي أَعُودُ لِذَلِكَ فَمَا تَرَكَتْهَا بَعْدَ ذَلِكَ) . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (وَقَالَ بَشَّارُ بْنُ غَالِبٍ النَّجْرَانِيُّ رَأَيْتُ) أَمَّ إِسْمَاعِيلَ (رَابِعَةَ) بِنْتَ إِسْمَاعِيلَ (الْعَدَوِيَّةَ) الْبَصْرِيَّةَ (الْعَابِدَةَ) الْمُتَوَفِّيَةَ فِي سِنِّهِ 135 (فِي مَنَامِي وَكُنْتُ كَثِيرَ الدُّعَاءِ لَهَا فَقَالَتْ لِي: يَا بَشَّارَ بْنَ غَالِبٍ هَدَايَاكَ تَأْتِينَا عَلَى أَطْبَاقٍ مِنْ نُورٍ مُخَمَّرَةٍ) أَيْ: مُغَطَّاةٍ (بِمَنَادِيلِ الْحَرِيرِ قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَتْ: وَهَكَذَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحْيَاءِ إِذَا دَعَوْا لِلْمَوْتَى، فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ جُعِلَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ عَلَى أَطْبَاقِ النُّورِ وَخُمِّرَ بِمَنَادِيلِ الْحَرِيرِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْمَيِّتُ فَقِيلَ هَذِهِ هَدِيَّةُ فُلَانٍ إِلَيْكَ) . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ وَفِي قَوْلِهَا: فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ يَنْفَعُ إِذَا اسْتُجِيبَ فَيَمْنَعُ الْإِطْلَاقَ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ مُسْتَجَابٌ كَمَا أَطْلَقُوا اعْتِمَادًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ الْوَاسِعِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْقَائِلِينَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ الْآيَةَ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ) أَيْ: طَالِبِ الْغَوْثِ (يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ صَدِيقٍ لَهُ فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَإِنَّ هَدَايَا الْإِحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ حَدَّثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ بِحَدِيثٍ بَاطِلٍ. اهَـ . قُلْتُ: لَفْظُ الدَّيْلَمِيِّ: مَا الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ إِلَّا شَبَهُ الْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ يَنْتَظِرُ دَعْوَةً مِنْ أَبٍ أَوْ أَمٍّ أَوْ وَلَدٍ أَوْ صَدِيقٍ ثِقَةٍ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لِيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا أَمْثَالَ الْجِبَالِ وَإِنَّ هَدِيَّةَ الْإِحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ وَالصَّدَقَةُ عَنْهُمْ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ لَمْ يَقَعْ عِنْدَ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: كَانَ مُطَرِّفٌ يَبْدُو فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ أَدْلَجَ وَكَانَ يُنَوَّرُ لَهُ فِي سَوْطِهِ فَأَقْبَلَ لَيْلَةً حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَقَابِرِ هَوَّمَ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ فَرَأَى كَأَنَ أَهْلَ الْقُبُورِ كُلُّ صَاحِبِ قَبْرٍ جَالِسٌ عَلَى قَبْرِهِ فَقَالُوا: هَذَا مُطَرِّفٌ أَتَى يَوْمَ الْجُمْعَةِ قُلْتُ: وَتَعْلَمُونَ عِنْدَكُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ وَلَنَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهِ الطَّيْرُ قُلْتُ: وَمَا يَقُولُونَ؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: سَلَامٌ سَلَامٌ يَوْمٌ صَالِحٌ يُقَالُ: هَوَّمَ الرَّجُلُ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ مِنَ النَّاسِ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُوَفَّقِ ابْنِ خَالَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبِي جَزِعْتُ جَزَعًا شَدِيدًا، فَكُنْتُ آتِي قَبْرَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، ثُمَّ إِنِّي قَصَّرْتُ عَنْ ذَلِكَ فَرَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا أَبْطَأَ بِكَ عَنِّي، قُلْتُ: وَإِنَّكِ لَتَعْلَمُ بِمَجِيئِي قَالَ: مَا جِئْتُ مَرَّةً إِلَّا عَلِمْتُهَا وَقَدْ كُنْتَ تَأْتِينِي فَأُسَرُّ بِكَ وَيُسَرُّ مَنْ حَوْلِي بِدُعَائِكَ، قَالَ: فَكُنْتُ آتِيهِ بَعْدُ كَثِيرًا، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: الْأَمْوَاتُ أَحْوَجُ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَاشِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ يَزُورُ قَبْرَ أَبِيهِ فَطَالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَزُورُ التُّرَابَ فَأُرِيتُهُ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا لَكَ لَا تَفْعَلُ كَمَا كُنْتَ تَفْعَلُ فَقُلْتُ: أَزُورُ التُّرَابَ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ تُشْرِفُ عَلَيَّ، فَيُبَشِّرُنِي بِكَ جِيرَانِي، وَلَقَدْ كُنْتَ تَنْصَرِفُ فَمَا أَزَالُ أَرَاكَ حَتَّى تَدْخُلَ الْكُوفَةَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَوْدَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنَ الْعَابِدَاتِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا: رَاهِبَةٌ، قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ كُنْتُ آتِيهَا فِي كُلِّ جُمْعَةٍ، فَأَدْعُو لَهَا وَأَسْتَغْفِرُ لَهَا وَلِأَهْلِ الْقُبُورِ، فَرَأَيْتُهَا لَيْلَةً فِي مَنَامِي فَقُلْتُ: يَا أُمِّي كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الْمَوْتَ لَشَدِيدٌ كَرْبُهُ وَأَنَا بِحَمْدِ اللَّهِ فِي بَرْزَخٍ مَحْمُودٍ أَفْتَرِشُ فِيهِ الرَّيْحَانَ، وَأَتَوَسَّدُ فِيهِ السُّنْدُسَ وَالْإِسْتَبْرَقَ، فَقُلْتُ: أَلَكِ حَاجَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: لَا تَدَعْ مَا تَصْنَعُ مِنْ زِيَارَتِنَا وَالدُّعَاءِ لَنَا فَإِنِّي آنَسُ بِمَجِيئِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ إِذَا أَقْبَلْتَ مِنْ أَهْلِكَ زَائِرًا فَأُبَشَّرُ وَيُبَشَّرُ بِذَلِكَ مَنْ حَوْلِي مِنَ الْأَمْوَاتِ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ السَّلَفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَرَكَاتِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَلَّابٍ السَّوَسِيُّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ وَالِدَتِي تَقُولُ: رَأَيْتُ أُمِّي فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا بِنْتِي إِذَا جِئْتِينِي زَائِرَةً فَاقْعُدِي عِنْدَ قَبْرِي سَاعَةً أَتُمْلَى مِنَ النَّظَرِ إِلَيْكِ، ثُمَّ تَرَحَّمِي عَلَيَّ فَإِنَّكِ إِذَا تَرَحَّمْتِ عَلَيَّ صَارَتِ الرَّحْمَةُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ كَالْحِجَابِ، ثُمَّ شَغَلَتْنِي، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أَنَّبَانِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي قُسْطَنْطِينُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّومِيُّ، سَمِعْتُ أَسَدَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ: كَانَ لِي صَدِيقٌ فَمَاتَ فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ جِئْتُ إِلَى قَبْرِ فُلَانٍ صَدِيقَكَ قَرَأْتَ عِنْدَهُ وَتَرَحَّمْتَ عَلَيْهِ وَأَنَا مَا جِئْتَ إِلَيَّ وَلَا قَرُبْتَنِي؟ قُلْتُ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: لَمَّا جِئْتَ إِلَى قَبْرِ صَدِيقِكَ فَلَانٍ رَأَيْتُكَ . قُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي وَالتُّرَابُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: مَا رَأَيْتَ الْمَاءَ إِذَا كَانَ فِي الزُّجَاجِ مَا يَتَبَيَّنُ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَكَذَلِكَ نَحْنُ نَرَى مَنْ يَزُورُنَا (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ أَخٌ لِي فَأَرَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: مَا كَانَ حَالُكَ حَيْثُ) وَفِي نُسْخَةٍ: حِينَ (وُضِعْتَ فِي قَبْرِكَ؟ قَالَ: أَتَانِي آتٍ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ فَلَوْلَا أَنَّ دَاعِيًا دَعَا لِي لَرَأَيْتُ أَنَّهُ سَيَضْرِبُنِي بِهِ) ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية