الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الْحَدَّادِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي جِنَازَةٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ مَعْنَا فَلَمَّا دُفِنَ الْمَيِّتُ جَاءَ رَجُلٌ ضَرِيرٌ يَقْرَأُ عِنْدَ الْقَبْرِ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ : يَا هَذَا إِنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْمَقَابِرِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَدَامَةَ لِأَحْمَدَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَلَبِيِّ قَالَ ثِقَةٌ : قَالَ : هَلْ كَتَبْتَ عَنْهُ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَاتِحَةُ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتُهَا ، وَقَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ : فَارْجِعْ إِلَى الرَّجُلِ فَقُلْ لَهُ يَقْرَأُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : إِذَا دَخَلْتُمُ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِمْ . وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ أَقْبَلْتُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَزَلْتُ الْخَنْدَقَ فَتَطَهَّرْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ بِلَيْلٍ ، ثُمَّ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرٍ فَنِمْتُ ، ثُمَّ تَنَبَّهْتُ فَإِذَا صَاحِبُ الْقَبْرِ يَشْتَكِينِي يَقُولُ : لَقَدْ آذَيْتَنِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ ، ثُمَّ قَالَ : لَلرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ رَكَعَتْهُمَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ : جَزَى اللَّهُ عَنَّا أَهْلَ الدُّنْيَا خَيْرًا أَقْرِئْهُمُ السَّلَامَ فَإِنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْنَا مِنْ دُعَائِهِمْ نُورٌ أَمْثَالَ الْجِبَالِ . إتحاف السادة المتقين (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الْحَدَّادِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ) ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (فِي جِنَازَةٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ) الْأَنْصَارِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِيهِ لِينٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ضَعِيفٌ رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي خَبَرِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، مَاتَ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، (مَعْنَا فَلَمَّا دُفِنَ الْمَيِّتُ جَاءَ رَجُلٌ ضَرِيرٌ يَقْرَأُ عِنْدَ الْقَبْرِ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: يَا هَذَا إِنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْمَقَابِرِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَدَامَةَ لِأَحْمَدَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَلَبِيِّ) أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْكَلْبِيِّ مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ مَاتَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ بِحَلَبَ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ (فَقَالَ: ثِقَةٌ قَالَ: هَلْ كَتَبْتَ عَنْهُ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ) نَزِيلِ حَلَبَ، مَقْبُولٌ، رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ (عَنْ أَبِيهِ) الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ الشَّامِيِّ يُقَالُ: إِنَّهُ أَخُو خَالِدٍ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِأَبِيهِ اللَّجْلَاجِ صُحْبَةٌ، عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ خَمْسِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسَبْعِينَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ اللَّجْلَاجُ: وَالِدُ الْعَلَاءِ غَطَفَانِيٌّ، وَاللَّجْلَاجُ وَالِدُ خَالِدٍ عَامِرِيٌّ (إِنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَاتِحَةُ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتُهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- (يُوصِي بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: فَارْجِعْ إِلَى الرَّجُلِ فَقُلْ لَهُ يَقْرَأُ) . وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ اللِّجْلَاجِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ إِذَا وَضَعَتْنِي فِي لَحْدِي فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ سُنَّ عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا، ثُمَّ اقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ ذَلِكَ، هَكَذَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الصُّحْبَةَ لِلَّجْلَاجِ لَا لِلْعَلَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلِيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ، وَالصَّوَابُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَرْوَزِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى مَرْوِ الرُّوزِ مَدِينَةٌ بِخُرَاسَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَرْوِ الشَّاهَجَانِ خَمْسُ مَرَاحِلَ، أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ يُكَنَّى أَبَا زَيْدٍ فَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ حَدَّثَ عَنِ الْفَرْبَرِيِّ، مَاتَ سَنَةَ 371 (سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ) رَحِمَهُ اللَّهُ (يَقُولُ: إِذَا دَخَلْتُمُ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِمْ) كَذَا أَوْرَدَهُ عَبْدُ الْحَقِّ الْأَزْدِيُّ فِي كِتَابِ الْعَاقِبَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَلَى الصَّوَابِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي فَضَائِلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَدَدَ الْأَمْوَاتِ، قَالَ الشَّمْسَ بْنُ الْقَطَّانِ: وَلَقَدْ حَكَى لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ أَنَّهُ مَرَّ بِقُبُورٍ فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَهْدَى ثَوَابَهَا لَهُمْ فَرَأَى وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي الْمَنَامِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ لَهُ وَلِسَائِرِ الْقُبُورِ فَخَصَّهُ ثَوَابُ رَأْسِ وَاوٍ مِنْ سُورَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَتَقَسَّمَ الْبَاقُونَ بَاقِيهَا بِبَرَكَةِ سُورَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَفِي الْعَاقِبَةِ لِعَبْدِ الْحَقِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ عُرِفَ بِابْنِ أَفْرِيدُو، كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ صَالِحَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، قَالَ لِي أَبُو الْوَلِيدِ: مَاتَ أَبِي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِهِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِحَدِيثِهِ: نَسِيتُ أَنَا اسْمَهُ، قَالَ لِي: زُرْتُ قَبْرَ أَبِيكَ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ حِزْبًا مِنَ الْقُرْآنِ؟ قُلْتُ: يَا فُلَانُ هَذَا قَدْ أَهْدَيْتُهُ لَكَ فَمَاذَا لِي؟ قَالَ: فَهَبَّتْ عَلَيَّ نَفْحَةٌ مِسْكٍ غَشِيَتْنِي، وَأَقَامَتْ مَعِي سَاعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَتْ وَهِيَ مَعِي فَمَا فَارَقَتْنِي، إِلَّا وَقَدْ مَشَيْتُ نَحْوَ نِصْفَ الطَّرِيقِ . (وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكَ الرَّقَاشِيُّ الْبَصْرِيُّ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، وَأَبُو قِلَابَةَ لَقَبٌ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا سَكَنَ بَغْدَادَ، رَوَى لَهُ ابْنُ مَاجَهْ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً (أَقْبَلْتُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَزَلْتُ الْخَنْدَقَ فَتَطَهَّرْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ بِلَيْلٍ، ثُمَّ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرٍ) مِنَ الْقُبُورِ الَّتِي هُنَاكَ (فَنِمْتُ، ثُمَّ انْتَهَيْتُ فَإِذَا صَاحِبُ الْقَبْرِ يَشْتَكِينِي يَقُولُ: لَقَدْ آذَيْتَنِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ) تَعْمَلُونَ (وَلَا تَعْلَمُونَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ، ثُمَّ قَالَ: لَلرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ رَكَعَتْهُمَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: جَزَى اللَّهُ عَنَّا أَهْلَ الدُّنْيَا خَيْرًا أَقْرِئْهُمُ السَّلَامَ فَإِنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْنَا مِنْ دُعَائِهِمْ نُورٌ أَمْثَالَ الْجِبَالِ) . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ، وَرَوَى صَاحِبُ كِتَابِ الْمُتَفَجِّعِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ مَيَّاسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى قَبْرٍ فَاتَّكَأَتْ عَلَيْهِ فَأَخَذَتْنِي نَعْسَةُ الشُّيُوخِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الْقَبْرِ: اعْلُ عَنِّي فَقَدْ آذَيْتَنِي إِنَّكُمْ تَعْمَلُونَ وَلَا تَعْلَمُونَ، وَإِنَّا نَعْلَمُ وَلَا نَعْمَلُ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي خُيِّرْتُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ رَكْعَتَيْكَ إِذَا كُنْتُ أَخْتَارُ رَكْعَتَيْكَ، هَكَذَا قَالَ عَنْ مَيَّاسٍ وَإِخَالُهُ تَحْرِيفًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ مِينَاءَ، قَالَ: دَخَلْتُ الْجَبَانَةَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعْتُ إِلَى قَبْرٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَنَبْهَانٌ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا فِي الْقَبْرِ يَقُولُ: قُمْ فَآذَيْتِنِي، إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ وَلَا تَعْلَمُونَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ وَلَا نَعْمَلُ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ صَلَّيْتُ مِثْلَ رَكْعَتَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قُلْتُ: وَابْنُ مِينَاءَ هُوَ الْحَكَمُ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ صَدُوقٌ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُمْ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: كُنْتُ بِالْمَقْبَرَةِ فَصَلَّيْتُ قَرِيبًا مِنْ قَبْرٍ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ لَمْ أَرْضَ إِتْقَانَهُمَا وَنَعَسْتُ فَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْقَبْرِ يُكَلِّمُنِي، فَقَالَ: رَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ تَرْضَ إِتْقَانَهُمَا؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، قَالَ: تَعْمَلُونَ وَلَا تَعْلَمُونَ وَنَعْلَمُ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْمَلَ، لَأَنْ أَكُونَ رَكَعْتُ مِثْلَ رَكْعَتَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، وَهَذَا السِّيَاقُ أَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَبِيَّاتِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَى الْقُبُورِ، وَرَوَى الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّكَ لَتَتَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِكَ بِصَدَقَةٍ فَيَجِيءُ بِهَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي أَطْبَاقٍ مِنْ نُورٍ فَيَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ فَيُنَادِي: يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ الْغَرِيبِ أَهْلُكَ قَدْ أَهْدَوْا إِلَيْكَ هَذِهِ الْهَدِيَّةَ، فَاقْبَلْهَا، قَالَ: فَيُدْخِلُهَا إِلَيْهِ فِي قَبْرِهِ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي مَدْخَلِهِ، وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، قَالَ: فَيَقُولُ: جَزَى اللَّهُ عَنِّي أَهْلِي خَيْرَ الْجَزَاءِ، قَالَ: فَيَقُولُ لَزِيقُ ذَلِكَ الْقَبْرِ: أَنَا لَمْ أُخَلِّفْ لِي وَلَدًا، وَلَا أَحَدٌ يَذْكُرُنِي بِشَيْءٍ فَهُوَ مَهْمُومٌ، وَالْآخَرُ يَفْرَحُ بِالصَّدَقَةِ. قُلْتُ: هُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَيِّتٌ فَيَتَصَدَّقُونَ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا أَهْدَاهَا لَهُمْ جِبْرِيلُ عَلَى طَبَقٍ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ يَقِفُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَيَقُولُ: يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ الْعَمِيقِ هَذِهِ هَدِيَّةٌ أَهْدَاهَا إِلَيْكَ أَهْلُكَ فَاقْبَلْهَا، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيَفْرَحُ بِهَا وَيَسْتَبْشِرُ وَيَحْزَنُ جِيرَانُهُ الَّذِينَ لَا يُهْدَى إِلَيْهِمْ شَيْءٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: إِذَا دَعَا الْعَبْدُ لِأَخِيهِ الْمَيِّتِ أَتَاهُ بِهَا إِلَى قَبْرِهِ مَلَكٌ فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ الْغَرِيبِ هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنْ أَخٍ عَلَيْكَ شَفِيقٍ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ: مَرَرْتُ بِالْمَقَابِرِ فَتَرَحَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: نَعَمْ فَتَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَهْمُومَ وَالْمَحْزُونَ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: رَوَى جَعْفَرٌ الْخَلَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ صَالِحٍ الْأَنْبَارِيُّ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: رَأَى بَعْضُ الصَّالِحِينَ أَبَاهُ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ لِمَ قَطَعْتُمْ هَدِيَّتَكُمْ عَنَّا؟ قَالَ: يَا أَبَتِ وَهَلْ تَعْرِفُ الْأَمْوَاتُ هَدِيَّةَ الْأَحْيَاءِ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ لَوْلَا الْأَحْيَاءُ لَهَلَكَتِ الْأَمْوَاتُ، وَرَوَى ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَارِيخِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَقْبَرَةَ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ فَإِذَا أَنَا بِنُورٍ مُشْرِقٍ فِيهَا، فَقُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، نَرَى أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ غَفَرَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ، فَإِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ مِنَ الْبُعْدِ، وَيَقُولُ: يَا مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ هَذِهِ هَدِيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَقَابِرِ، قُلْتُ: بِالَّذِي أَنْطَقَكَ أَلَا خَبَّرَتْنِي مَا هُوَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَامَ فِي لَيْلَةٍ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ فِيهِمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي وَهَبْتُ ثَوَابَهَا لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا الضِّيَاءَ وَالنُّورَ وَالْفُسْحَةَ وَالسُّرُورَ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، قَالَ مَالِكٌ: فَلَمْ أَزَلْ أَقْرَؤُهَا فِي كُلِّ جُمْعَةٍ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَنَامِي يَقُولُ لِي: يَا مَالِكُ قَدْ غَفَرَ لَكَ اللَّهُ بِعَدَدِ النُّورِ الَّذِي أَهْدَيْتَهُ إِلَى أُمَّتِي، وَلَكَ ثَوَابُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَبَنَى اللَّهُ لَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ فِي قَصْرٍ يُقَالُ لَهُ: الْمُنِيفُ، قُلْتُ: وَمَا الْمُنِيفُ؟ قَالَ الْمُطِلُّ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ: فَصْلٌ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ أَوْ عَلَى الْقَبْرِ: اخْتُلِفَ فِي وُصُولِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ، فَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوُصُولِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنِ الْآيَةِ بِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ الْآيَةَ، أُدْخِلَ الْأَبْنَاءُ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ . الثَّانِي: أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ مَا سَعَتْ وَمَا سُعِيَ لَهَا، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْسَانِ هُوَ الْكَافِرُ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَهُ مَا سَعَى لَهُ وَمَا سُعِيَ لَهُ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . الرَّابِعُ: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى مِنْ طَرِيقِ الْعَدْلِ، فَأَمَّا مِنْ بَابِ الْفَضْلِ فَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ مَا شَاءَ قَالَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ . الْخَامِسِ: أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ: لَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . قُلْتُ: وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الرِّسَالَةِ الْمَذْكُورَةِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ، وَقَالَ الْقَوْلُ بِالنُّسَخِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَجَعَلَ الْوَلَدُ الطِّفْلَ فِي مِيزَانِ أَبِيهِ وَيُشَفِّعُ اللَّهُ تَعَالَى الْآبَاءَ فِي الْأَبْنَاءِ وَالْأَبْنَاءَ فِي الْآبَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا وَذَكَرَ الْقَوْلَ الثَّالِثَ، وَنُقِلَ عَنِ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إِلَّا مَا سَعَى خَاصَّةً بِالسَّيِّئَةِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ وَإِنْ هُمْ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا لَهُ حَسَنَةً، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَكُنْتُ بَحَثْتُ مَعَ الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينَ الْبَلْقِينِيِّ بِالْخَشَّابِيَّةِ بِجَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَلْ تُضَعَّفُ هَذِهِ الْحَسَنَةُ أَيْضًا؟ قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تُضَعَّفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا فَقَالَ: نَعَمْ وَتُضَعَّفُ مِنْ جِنْسِ مَا هُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ أَبُو جَهْلٍ أَوْ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعْيَطٍ أَوِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْإِنْسَانُ بِسَعْيِهِ فِي الْخَيْرِ وَحُسْنِ صُحْبَتِهِ وَعِشْرَتِهِ اكْتَسَبَ الْأَصْحَابَ وَأَسْدَى لَهُمُ الْخَيْرَ وَتَرَدَّدَ إِلَيْهِمْ فَصَارَ ثَوَابُهُ لَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ سَعْيِهِ وَهَذَا حَسَنٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْإِنْسَانَ فِي الْآيَةِ لِلْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَنْفِ فِي الْآيَةِ انْتِفَاعَ الرَّجُلِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ لَهُ، وَإِنَّمَا نَفَى عَمَلَهُ بِسَعْيِ غَيْرِهِ وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ مَا لَفْظُهُ: فَإِنْ قُلْتَ: أَمَا صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ الصَّدَقَةُ عَنِ الْمَيِّتِ وَالْحَجُّ عَنْهُ؟ قُلْتُ: فِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَمَّا لَمْ يَنْفَعْهُ إِلَّا مَبْنِيًّا عَلَى سَعْيِ نَفْسِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا فَكَذَلِكَ كَانَ سَعْيُ غَيْرِهِ كَأَنَّهُ سَعْيٌ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ وَقَائِمًا لِقِيَامِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَا يَنْفَعُهُ إِذَا عَمِلَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَوَاهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ كَالنَّائِبِ عَنْهُ وَالْوَكِيلُ الْقَائِمُ مَقَامَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى عَامٌّ مَخْصُوصٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَكَذَا: وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَكَذَا إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ابْنِ الْقَطَّانِ، ثُمَّ قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْوُصُولِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي نَقْلِ الثَّوَابِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَنْ حَجٍّ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةٍ، وَبِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً فَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا وَبِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا فِي كُلِّ مِصْرٍ يَجْتَمِعُونَ وَيَقْرَءُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمْقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي جُزْءٍ أَلَّفَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُفْتِي بِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ مَا يُقْرَأُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ كُنْتَ تَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ مَا يُقْرَأُ أَوْ يُهْدَى إِلَيْهِ، فَكَيْفَ الْأَمْرُ؟ قَالَ لَهُ: كُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَالْآنَ قَدْ رَجَعْتُ عَنْهُ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَمِنَ الْوَارِدِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقُبُورِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَالْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ مَرْفُوعًا كِلَاهُمَا، وَأَخْرَجَ الْخَلَّالُ فِي الْجَامِعِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ اخْتَلَفُوا إِلَى قَبْرِهِ يَقْرَءُونَ لَهُ الْقُرْآنَ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزِّنْجَانِيُّ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ، ثُمَّ قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي جَعَلْتُ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُ مِنْ كَلَامِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَانُوا شُفَعَاءَ لَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَخْرَجَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيُّ فِي مَشْيَخَتِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ حَمَّادٌ الْمَكِّيُّ: خَرَجْتُ لَيْلَةً إِلَى مَقَابِرِ مَكَّةَ فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرٍ فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ أَهْلَ الْمَقَابِرِ حَلْقَةً حَلْقَةً فَقُلْتُ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ قَالُوا: لَا وَلَكِنْ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِنَا قَرَأَ لَنَا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لَنَا فَنَحْنُ نَقْتَسِمُهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْعَزِيزِ صَاحِبُ الْخَلَّالِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ "يَسِ" خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ دُفِنَ فِيهَا حَسَنَاتٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي حَدِيثِ: اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ "يَسِ" يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْمَيِّتِ فِي حَالِ مَوْتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ قَبْرِهِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَبِالثَّانِي قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ فِي جُزْئِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَبِالتَّعْمِيمِ فِي الْحَالَيْنِ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرَيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا: وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ قِيلَ: إِنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ وَلِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الِاسْتِمَاعِ، وَلِذَلِكَ تَلْحَقُهُ الرَّحْمَةُ وَلَا يَبْعُدُ فِي كَرَمِ اللَّهِ أَنْ يَلْحَقَهُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَالِاسْتِمَاعِ مَعًا وَيَلْحَقُهُ ثَوَابُ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ كَالصَّدَقَةِ وَالدُّعَاءِ اهَـ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية