الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ : "وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ" . قَالَ : "وَذَلِكَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : قَوْلُكُمْ : إِنَّ كُلَّ صِفَةٍ حَادِثَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ضِدٍّ ، فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالضِّدِّ مَعْنًى وُجُودِيٌّ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفَةِ لِذَاتَيْهِمَا . وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ لِذَاتَيْهِمَا . وَإِنْ كَانَ عَدَمًا حَتَّى يُقَالَ ، فَإِنَّ عَدَمَ الصِّفَةِ يَكُونُ ضِدًّا لِوُجُودِهَا ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِلصِّفَةِ ضِدٌّ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى مَوْقِعِ الْمَنْعِ عَسِيرٌ جِدًّا . وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضِدَّ الْحَادِثِ حَادِثًا ، وَإِلَّا كَانَ عَدَمَ الْعَالَمِ السَّابِقِ عَلَى وُجُودِهِ حَادِثًا ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُهُ حَادِثًا كَانَ وُجُودُهُ سَابِقًا عَلَى عَدَمِهِ وَهُوَ مُحَالٌ" . قَالَ : "وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ضِدَّ الْحَادِثِ مَعْنًى وُجُودِيًّا ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ خُلُوِّ الْمَحَلِّ عَنِ الصِّفَةِ وَضِدِّهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . وَحَيْثُ قَرَّرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالْإِدْرَاكَاتِ أَنَّ الْقَابِلَ لِصِفَةٍ لَا يَخْلُو عَنْهَا وَعَنْ ضِدِّهَا إِنَّمَا كَانَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ ، لَا بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ ، فَلَا مُنَاقَضَةَ" . قُلْتُ : هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ لَوْ كَانَ قَدْ وَفَّى بِمُوجِبِهِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِمَّا كَانَ يَحْتَجُّ بِهَا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فِي إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ ، كَالْكَلَامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، وَقَدِ اتَّبَعَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَكَلِّمَةُ الصِّفَاتِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ كُلَّابٍ وَابْنِ كَرَّامٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، بَلْ أَثْبَتُوا بِهَا عَامَّةَ صِفَاتِ الْكَمَالِ . وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهَا مَا يُورِدُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ قَادِحٌ فِيهَا ، فَقَالَ : "أَمَّا أَهْلُ الْإِثْبَاتِ - يَعْنِي لِلصِّفَاتِ - فَقَدْ سَلَكَ بَعْضُهُمْ فِي الْإِثْبَاتِ مَسْلَكًا ضَعِيفًا ، وَهُوَ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِإِثْبَاتِ أَحْكَامِ الصِّفَاتِ ، ثُمَّ تَوَصَّلُوا مِنْهَا إِلَى إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصِّفَاتِ ثَانِيًا . فَقَالُوا : إِنَّ الْعَالَمَ لَا مَحَالَةَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْإِتْقَانِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ جَائِزٌ وُجُودُهُ وَجَائِزٌ عَدَمُهُ كَمَا سَيَأْتِي ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ فِي التَّخْصِيصِ وَالْإِيجَادِ إِلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ ، مُرِيدًا لَهُ ، عَالِمًا بِهِ كَمَا وَقَعَ [بِهِ] الِاسْتِقْرَاءُ فِي الشَّاهِدِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَا يَصِحُّ صُدُورُ شَيْءٍ عَنْهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْجَائِزَاتِ عَنْهُ دُونَ بَعْضٍ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ ، إِذْ نِسْبَتُهَا إِلَيْهِ وَاحِدَةٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالشَّيْءِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَصْدُ إِلَى إِيجَادِهِ .قَالُوا : وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ قَادِرًا مُرِيدًا عَالِمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا ، إِذِ الْحَيَاةُ شَرْطٌ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الشَّاهِدِ ، وَمَا كَانَ لَهُ فِي وُجُودِهِ أَوْ عَدَمِهِ شَرْطٌ لَا يَخْتَلِفُ شَاهِدًا وَلَا غَائِبًا ، وَيَلْزَمُ مَنْ كَوْنِهِ حَيًّا أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ مِنَ الْأَحْيَاءِ فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِأَضْدَادِهَا كَالْعَمَى وَالطَّرَشِ وَالْخَرَسِ ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي الشَّاهِدِ أَيْضًا . وَالْإِلَهُ تَعَالَى يَتَقَدَّسُ عَنِ الِاتِّصَافِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ . قَالُوا : وَإِذَا ثَبَتَ لَهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فَهِيَ فِي الشَّاهِدِ مُعَلَّلَةٌ بِالصِّفَاتِ ، فَالْعِلْمُ فِي الشَّاهِدِ عِلَّةُ كَوْنِ الْعَالِمِ عَالِمًا ، وَالْقُدْرَةُ عِلَّةُ كَوْنِ الْقَادِرِ قَادِرًا ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ بَاقِي الصِّفَاتِ ، وَالْعِلَّةُ لَا تَخْتَلِفُ لَا شَاهِدًا وَلَا غَائِبًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية