الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَيْضًا فَقَدْ يَقُولُ الْكَرَّامِيَّةُ وَأَمْثَالُهُمْ : إِنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ مَحَلَّ الْأُخْرَى ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَظِيمٌ ، لَا يُحِيطُ الْعِبَادُ بِهِ عِلْمًا ، وَلَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُهُمْ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاسُ مُتَنَازِعُونَ فِي إِمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْحُرُوفِ، وَإِمْكَانِ قِدَمِهَا ، وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ قَدِيمٌ ذَكَرَهُ الْأَشْعَرِيُّ فِي "الْمَقَالَاتِ". وَأَصْحَابُ أَحْمَدَ مُتَنَازِعُونَ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الطَّوَائِفِ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةُ . وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا . فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يَكُنْ ظُهُورُ امْتِنَاعِهِ أَعْظَمَ مِنْ ظُهُورِ امْتِنَاعِ قَوْلِ الْكُلَّابِيَّةِ، الَّذِي يُوجِبُ قِدَمَ الْمَعَانِي الْمُتَنَوِّعَةِ ، الَّتِي هِيَ مَدْلُولُ الْعِبَارَاتِ الْمُنْتَظِمَةِ ، وَيَجْعَلُهَا مَعَ ذَلِكَ مَعْنًى وَاحِدًا . فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ قَوَالِبُ الْمَعَانِي ، وَنَحْنُ كَمَا لَا نَعْقِلُ الْحُرُوفَ إِلَّا مُتَوَالِيَةً مُتَعَاقِبَةً ، فَلَا تُعْقَلُ مَعَانِيهَا إِلَّا كَذَلِكَ. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ نَعْقِلَ اجْتِمَاعَ مَعَانِيهَا ، فَهِيَ مَعَانٍ مُتَنَوِّعَةٌ لَيْسَتْ شَيْئًا وَاحِدًا . وَلِهَذَا لَمَّا قَالَتِ الْكُلَّابِيَّةُ لِهَؤُلَاءِ : الْحُرُوفُ مُتَعَاقِبَةٌ ، وَالسِّينُ بَعْدَ الْبَاءِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ قِدَمَهَا . أَجَابُوهُمْ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ -كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ- وَقَالُوا: هَذَا مُعَارَضٌ بِمَعَانِي الْحُرُوفِ فَإِنَّهَا مُتَعَاقِبَةٌ عِنْدَنَا، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِقِدَمِهَا . الثَّانِي: أَنَّ التَّعَاقُبَ وَالتَّرْتِيبَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا تَرْتِيبٌ فِي نَفْسِ الْحَقِيقَةِ ، وَالثَّانِي تَرْتِيبٌ فِي وُجُودِهَا ، فَإِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَانَ الثَّانِي حَادِثًا، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ الذَّاتِيُّ الْعَقْلِيُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِ الصِّفَاتِ تَابِعَةً لِلَذَّاتِ . وَكَوْنُ الْإِرَادَةِ مَشْرُوطَةً بِالْعِلْمِ ، وَالْعِلْمِ مَشْرُوطًا بِالْحَيَاةِ . وَادَّعَوْا أَنَّ تَقَدُّمَ الْحُرُوفِ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ تَقَدُّمٌ بِالطَّبْعِ ، وَهُوَ تَقَدُّمُ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ، كَتَقَدُّمِ الْوَاحِدِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَجُزْءِ الْمُرَكَّبِ عَلَى جُمْلَتِهِ، وَمِثْلُ هَذَا التَّرْتِيبِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الثَّانِي عِنْدَ وُجُودِ الْأَوَّلِ . فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ إِنْ كَانَ بَاطِلًا ، فَكَوْنُ الْعِلْمِ هُوَ الْحَيَاةُ ، وَالْحَيَاةُ هِيَ الْإِرَادَةُ ، وَمَعْنَى الْقُرْآنِ هُوَ مَعْنَى التَّوْرَاةِ ، وَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ وَتَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ -هُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْبُطْلَانِ ، أَوْ أَخْفَى بُطْلَانًا مِنْهُ، أَوْ أَظْهَرَ بُطْلَانًا مِنْهُ . وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ : هَبْ أَنَّ قَوْلَ السَّالِمِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ بِاجْتِمَاعِ الْحُرُوفِ مُحَالٌ ، فَقَوْلُ الْكُلَّابِيَّةِ أَيْضًا مُحَالٌ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ ذَاكَ صِحَّةُ هَذَا . وَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ أَبْطَلُ مِنَ الْكُلِّ . وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْحَقُّ هُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِحُرُوفٍ مُتَعَاقِبَةٍ لَا مُجْتَمِعَةٍ . وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِهِ ، فَمَنْ قَالَ بِهَذَا لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضُ الْكَرَّامِيَّةِ حُجَّةً عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ بُطْلَانُ هَذَا الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُ الْحُرُوفِ مُمْكِنًا بَطَلَ أَصْلُ الِاعْتِرَاضِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِسْمَةَ الْعَقْلِيَّةَ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ الْحُرُوفَ : إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ قِدَمُ أَعْيَانِهَا ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ إِمْكَانُ اجْتِمَاعِهَا ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ قِدَمُ أَعْيَانِهَا ، بَلْ قِدَمُ أَنْوَاعِهَا ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ قِدَمُ أَعْيَانِهَا وَلَا أَنْوَاعِهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية