الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَقَائِقَ : إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَمَاثِلَةً ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ . وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُتَمَاثِلَةً : فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ اجْتِمَاعُهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ ، فَالْأُولَى الْمُخْتَلِفَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُتَضَادَّةٍ ، كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، وَكَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ ، وَالثَّانِي الْمُتَضَادَّةُ ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ ، وَكَالْعَجْزِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، كَالْعِلْمِ بِمَعْلُومَاتٍ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَقْدُورَاتٍ، وَالْإِرَادَةُ لِمُرَادَاتٍ لَيْسَتْ هِيَ مُتَضَادَّةً ، بَلْ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ ذَلِكَ ، لَكِنْ قَدْ يَضِيقُ عَنْهُ الْمَحَلُّ ، كَمَا يَضِيقُ قَلْبُ الْعَبْدِ عَنِ اجْتِمَاعِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ ، [وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجْتَمِعُ فِي قَلْبِهِ مِنْ ذَلِكَ] مَا يَسَعُهُ قَلْبُهُ . وَالْقُلُوبُ تَخْتَلِفُ أَيْضًا بِذَاتِهَا ، وَلِهَذَا يُمْكِنُ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَقْرَأَ وَيَفْعَلَ بِيَدِهِ وَرِجْلِهِ، وَآخَرُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ ، كَمَا يُمْكِنُ هَذَا الْحَرَكَةَ الْقَوِيَّةَ الشَّدِيدَةَ ، وَالْآخَرُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ هَذَا أَنْ يَرَى وَيَسْمَعَ مِنَ الْمُخْتَلِفَاتِ مَا لَا يُمْكِنُ الْآخَرُ رُؤْيَتَهُ أَوْ سَمَاعَهُ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْكَلَامُ فِي الصَّوْتِ فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : [فِي بَقَائِهِ وَقِدَمِهِ كَمَا] فِي بَقَاءِ الْحَرَكَةِ وَقِدَمِهَا ، وَلَا رَيْبَ فِي إِمْكَانِ بَقَاءِ نَوْعِ الصَّوْتِ وَالْحَرَكَةِ ، بِمَعْنَى حُدُوثِ الْحَرَكَةِ وَالصَّوْتِ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَحَرَكَةِ الْفَلَكِ وَالْكَوَاكِبِ . وَأَمَّا إِمْكَانُ قِدَمِ نَوْعِ الصَّوْتِ وَالْحَرَكَةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلنُّظَّارِ: فَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ تُنْكِرُ إِمْكَانَ قِدَمِ ذَلِكَ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْفَلَاسِفَةِ يُجَوِّزُونَ قِدَمَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ قِدَمَ نَوْعِ الصَّوْتِ لَا نَوْعِ الْحَرَكَةِ . وَأَمَّا بَقَاءُ الصَّوْتِ الْمُعَيَّنِ وَالْحَرَكَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يُحِيلُونَ بَقَاءَ ذَلِكَ وَقِدَمَهُ ، بَلِ امْتِنَاعُ قِدَمِ مَا يَمْتَنِعُ بَقَاؤُهُ أَوْلَى، فَإِنَّ مَا وَجَبَ قِدَمُهُ وَجَبَ بَقَاؤُهُ وَامْتَنَعَ عَدَمُهُ ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَوَّزَ بَقَاءَ الصَّوْتِ الْمُعَيَّنِ وَالْحَرَكَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ جَوَّزَ قِدَمَ الصَّوْتِ الْمُعَيَّنِ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرَكَةِ وَالصَّوْتِ، وَأَمَّا الْحُرُوفُ الْمَنْطُوقُ بِهَا فَالنَّاسُ مُتَنَازِعُونَ : هَلْ هِيَ طَرَفٌ لِلصَّوْتِ؟ أَمْ يُمْكِنُ وُجُودُ حُرُوفٍ مَنْظُومَةٍ بِلَا صَوْتٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَإِذْ قِيلَ : لَا يُمْكِنُ وُجُودُ حَرْفٍ مَنْطُوقٍ بِهِ إِلَّا بِصَوْتٍ ، فَالْحَرْفُ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ نِهَايَةِ الصَّوْتِ وَتَقَطُّعِهِ ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ نَفْسِ الصَّوْتِ الْمُقَطَّعِ ، كَمَا يُعَبَّرُ بِلَفْظِ الْحَرْفِ عَنِ الْحَرْفِ الْمَكْتُوبِ ، وَيُرَادُ بِهِ [مُجَرَّدُ] الشَّكْلِ تَارَةً مُجَرَّدًا عَنِ الْمَادَّةِ، وَيُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُ الْمَادَّةِ وَالشَّكْلِ ، وَهُوَ الْمِدَادُ الْمُصَوَّرُ . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْأَصْوَاتَ الْمُتَنَوِّعَةَ سَوَاءٌ قِيلَ بِوُجُوبِ تَعَاقُبِهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، أَوْ قِيلَ بِإِمْكَانِ بَقَاءِ الصَّوْتِ الْمُعَيَّنِ : هَلْ تَقُومُ بِالصَّائِتِ الْوَاحِدِ ، إِذَا كَانَ مَحَلُّ هَذَا الصَّوْتِ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ مَحَلَّ هَذَا الصَّوْتِ، وَإِنْ كَانَ الصَّائِتُ وَاحِدًا؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ قِيَامِ الْحَرَكَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ بِالْمُتَحَرِّكِ الْوَاحِدِ ، إِذَا قَامَتْ كُلُّ حَرَكَةٍ بِمَحَلٍّ غَيْرِ مَحَلٍّ الْأُخْرَى . وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الصَّوْتَيْنِ وَالْحَرَكَتَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ مُتَعَذَّرٌ لِلتَّضَادِّ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ، أَوْ لِضِيقِ الْمَحَلِّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ، كَاجْتِمَاعِ الْعِلْمَيْنِ وَالْقُدْرَتَيْنِ وَالْإِرَادَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ وَالْإِدْرَاكَيْنِ ، ثُمَّ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا ، فَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي الْجِسْمِ: هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ؟ أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ؟ أَوْ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا؟

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية