الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ يُقَالُ : إِذَا قَدَّرْنَا عَدَمَ هَذِهِ الصِّفَاتِ ، الَّتِي هِيَ لَازِمَةٌ لِلْأَنْوَاعِ وَذَاتِيَّةٌ لَهَا ، لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ مَا يُعْقَلُ كَوْنُهُ جَوْهَرًا، لَا مُمَاثِلًا وَلَا مُخَالِفًا ، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى هَذَا الْإِنْسَانِ، وَقَدَّرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا نَاطِقٍ وَلَا ضَاحِكٍ وَلَا حَسَّاسٍ وَلَا مُتَحَرِّكٍ بِالْإِرَادَةِ، لَمْ يُعْقَلْ هُنَالِكَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُهُ تَعْرُضُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ ، بَلْ إِثْبَاتُ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْخَيَالِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَهَذَا الْخَيَالُ فِي الْجَوَاهِرِ الْمَحْسُوسَةِ نَظِيرُ خَيَالِ مَنْ أَثْبَتَ الْجَوَاهِرَ الْمَعْقُولَةَ ، لَكِنَّ تِلْكَ مَحَلُّهَا الْعَقْلُ ، وَهَذِهِ مَحَلُّهَا الْخَيَالُ ، فَإِنَّا يُمْكِنُنَا تَقْدِيرُ هَذَا الشَّكْلِ مَعَ عَدَمِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا نَاطِقًا ، لَكِنْ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَقْدُورُ شَكْلًا مُجَرَّدًا، هُوَ عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْجِسْمَ التَّعْلِيمِيَّ كَمَا نُقَدِّرُ أَعْدَادًا مُجَرَّدَةً عَنِ الْمُعْدُودَاتِ ، وَهَذِهِ الْمَقَادِيرُ الْمُجَرَّدَةُ وَالْأَعْدَادُ الْمُجَرَّدَةُ لَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ وَاللِّسَانِ ، وَكُلُّ جِسْمٍ مَوْجُودٍ لَهُ قَدْرٌ يَخُصُّهُ ، وَهَذِهِ هِيَ الْجِسْمِيَّةُ وَالْجَوْهَرِيَّةُ الَّتِي يُثْبِتُهَا مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ تَمَاثُلِ الْجَوَاهِرِ ، وَهِيَ نَظِيرُ الصُّورَةِ الْجِسْمِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَرَضٌ مِنْ أَعْرَاضِ الْجِسْمِ ، الَّتِي يُثْبِتُهَا مَنْ يَقُولُ بِالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ ، فَدَعْوَى أُولَئِكَ أَنَّ الصُّورَةَ الْجِسْمِيَّةَ جَوْهَرٌ ، وَأَنَّ الْمَادَّةَ جَوْهَرٌ آخَرُ ، هُوَ نَظِيرُ دَعْوَى هَؤُلَاءِ: أَنَّ الصُّورَةَ الْجِسْمِيَّةَ جَوَاهِرُ مُتَمَاثِلَةٌ ، وَلَيْسَ هُنَا إِلَّا هَذِهِ الْأَعْيَانُ الْقَائِمَةُ بِأَنْفُسِهَا، وَمَا قَامَ بِهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَالْمَقَادِيرِ، الَّتِي هِيَ أَشْكَالُهَا وَصُوَرُهَا . ثُمَّ مِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، كَأَبِي حَامِدٍ وَالشَّهْرَسْتَانِيِّ، وَالرَّازِيِّ، وَالْآمِدِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ ، مِمَّنْ يُوَافِقُ أَهْلَ الْمَنْطِقِ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْطِقِ ، يُوَافِقُونَ أَهْلَ الْمَنْطِقِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنَ انْقِسَامِ صِفَاتِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ إِلَى ذَاتِيٍّ وَعَرَضِيٍّ ، وَانْقِسَامِ الْعَرَضِ إِلَى لَازِمٍ لِلْمَاهِيَّةِ وَعَارِضٍ لَهَا، وَانْقِسَامِ الْعَارِضِ إِلَى لَازِمٍ وَمُفَارِقٍ ، مَعَ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الْخَطَأِ ، فَإِنَّ الصِّفَاتِ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا تَنْقَسِمُ إِلَى لَازِمٍ لِلْمَاهِيَّةِ وَعَارِضٍ لَهَا . وَأَمَّا تَقْسِيمُ اللَّازِمِ إِلَى ذَاتِيٍّ وَعَرَضِيٍّ ، وَإِثْبَاتُ شَيْئَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ: أَحَدُهُمَا الذَّاتُ ، وَالثَّانِي هَذَا الْمَوْجُودُ الْمُشَاهَدُ ، فَكَلَامٌ بَاطِلٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . ثُمَّ إِنَّهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بِتَمَاثُلِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ يَدَّعُونَ أَنَّ جَمِيعَ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا إِنَّمَا هِيَ عَارِضَةٌ لَهَا قَابِلَةٌ لِزَوَالِهَا، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ لَازِمٌ لِلْحَقِيقَةِ ، وَلَا هُوَ مِنْ مُوجِبَاتِ الذَّاتِ وَمُقْتَضَيَاتِهَا، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَيْنَ ذَلِكَ التَّلَازُمُ الَّذِي غَلَوْتُمْ فِيهِ حَتَّى تَجْعَلُوا الْحَقِيقَةَ مُؤَلَّفَةً مِنْ صِفَاتِهَا الذَّاتِيَّةِ، وَتَقُولُونَ: إِنَّ الذَّاتَ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلَّوَازِمِ وَلَوَازِمِ اللَّوَازِمِ؟ وَهُنَا يَقُولُونَ: لَيْسَ لِهَذِهِ الْأَعْيَانِ حَقِيقَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا إِلَّا مَا تَشْتَرِكُ كُلُّهَا فِيهِ ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهَا لَازِمٌ يَخُصُّهُ، وَلَا لَازِمٌ يُفَارِقُ بِهِ غَيْرَهُ ، بَلْ لَيْسَتِ اللَّوَازِمُ إِلَّا مَا لَزِمَ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى جَوْهَرًا وَجِسْمًا . وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ رَأَيْتُ مِنْهُ عَجَائِبَ لِهَؤُلَاءِ النُّظَّارِ ، يَتَكَلَّمُ كُلٌّ مِنْهُمْ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ بِكَلَامٍ يُنَاقِضُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ أُولَئِكَ ، مَعَ تَنَاقُضِ كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَهَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَفْهَمْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَثْبَتَهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ هُوَ الَّذِي نَفَاهُ بِتِلْكَ، فَلَا يَكُونُ قَدْ تَصَوَّرَ حَقِيقَةَ مَا يَقُولُ ، بَلْ تَصَوَّرَ مَا يَتَقَيَّدُ بِاللَّفْظِ بِحَيْثُ إِذَا خَرَجَ الْمَعْنَى عَنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ هُوَ ، وَهَذَا قَبِيحٌ بِمَنْ يَدَّعِي النَّظَرَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَا تَتَقَيَّدُ بِلُغَةٍ وَلَا لَفْظٍ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ نِسْيَانِهِ وَذُهُولِهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ لِمَا قَالَهُ فِي الْمَقَامِ الْآخَرِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ أَنْ يُظَنَّ بِمَنْ لَهُ عَقْلٌ وَتَصَوُّرٌ صَحِيحٌ ، لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ ، وَأَنَّهُ يَقُولُ فِي كُلِّ مَقَامٍ مَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ ، لَا يَمْشِي مَعَ الدَّلِيلِ مُطْلَقًا ، بَلْ يَتَنَاقَضُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ فَهْمِهِ التَّنَاقُضَ ، وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ لَا يُبَالِيَ بِتَنَاقُضِ كَلَامِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَجِّحَ هَذَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَهَذَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية