الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ : "إِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فَهُوَ مُحَالٌ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ مَا سَنُبَيِّنُهُ مِنْ إِحَالَةِ بُعْدٍ لَا يَتَنَاهَى" . فَيُقَالُ لَهُ: أَنْتَ قَدْ أَبْطَلْتَ أَدِلَّةَ نُفَاةِ ذَلِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْ إِلَّا دَلِيلًا هُوَ أَضْعَفُ مِنْ أَدِلَّةِ غَيْرِكَ، فَبَقِيَتِ الدَّعْوَى بِلَا دَلِيلٍ . قَوْلُهُ : "الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْأَجْسَامِ أَوْ تَدَاخُلُهَا ، وَمُدَاخَلَةُ الْقَاذُورَاتِ" . فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَا يُلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ مَعَ كَوْنِهِ جِسْمًا، أَوْ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ جِسْمٍ، وَيَقُولُونَ : لَا يَلْزَمُ نَفْيُ سَائِرِ الْأَجْسَامِ وَلَا مُدَاخَلَتُهَا . فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَنْفِيهِ الْعَقْلُ. قَالُوا: نَفْيُ الْعَقْلِ لِهَذَا كَنَفْيِهِ وَجُودَهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَاعِلًا لِلْعَالَمِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا حَالٌّ فِي الْعَالَمِ وَلَا بَائِنٌ مِنَ الْعَالَمِ ، بَلْ نَفْيُ الْعَقْلِ لِهَذَا أَعْظَمُ مِنْ نَفْيِهِ لِهَذَا، وَمَا قِيلَ مِنَ الِاعْتِذَارِ عَنْ ذَلِكَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْوَهْمِ وَالْعَقْلِ يُمْكِنُ فِي هَذَا بِطْرِيقِ الْأَوْلَى ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ ادَّعَوْا أَنَّ [قَوْلَ] الْقَائِلِ كُلُّ مَوْجُودَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا مُتَحَايِثَيْنِ ، أَوْ مُتَبَايِنَيْنِ ، أَوْ كُلُّ مَوْجُودَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا فَإِمَّا: أَنْ يَكُونَا مُتَبَايِنَيْنِ ، أَوْ مُتَلَاصِقَيْنِ ، أَوْ كُلُّ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُشَارًا إِلَيْهِ . وَأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ بِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ لَا هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ ، وَلَا حَالٌّ فِيهِ وَلَا مُبَايِنٌ لَهُ، وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْ شَيْءٍ، وَلَا يَبْعُدُ مِنْ شَيْءٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ -وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ السَّالِبَةِ النَّافِيَةِ- هُوَ مُحَالٌ فِي الْعَقْلِ . قَالُوا: إِنَّ هَذَا الْمُوجِبَ لِذَلِكَ التَّقْسِيمِ ، وَالْمُحِيلَ لِوُجُودِ هَذَا ، إِنَّمَا هُوَ الْوَهْمُ دُونَ الْعَقْلِ ، وَأَنَّ الْوَهْمَ يَحْكُمُ غَيْرَ الْمَحْسُوسِ بِحُكْمِ الْمَحْسُوسِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ . فَقِيلَ لَهُمْ: فَأَنْتُمْ لَمْ تُثْبِتُوا بَعْدُ وُجُودَ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ، وَحُكْمُ الْفِطْرَةِ أَوَّلَيٌّ بَدِيهِيٌّ ، وَالْوَهْمُ عِنْدَكُمْ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ الْمُعَيَّنَةَ كَإِدْرَاكِ الْعَدَاوَةِ وَالصَّدَاقَةِ ، كَإِدْرَاكِ الشَّاةِ عَدَاوَةَ الذِّئْبِ وَصَدَاقَةَ الْكَبْشِ . وَهَذِهِ أَحْكَامٌ كُلِّيَّةٌ، وَالْكُلِّيَّاتُ مِنْ حُكْمِ الْعَقْلِ لَا مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ . فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا أَبْطَلَ بِهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاعْتِذَارِ بِأَنَّ هَذَا حُكْمُ الْوَهْمِ. لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ الْعُذْرَ -إِنْ كَانَ صَحِيحًا- فَلِمُنَازِعِيهِمْ أَنْ يَعْتَذِرُوا بِهِ هَهُنَا، فَيَقُولُونَ : مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ كَوْنِهِ لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ ، أَوْ لَوْ كَانَ جِسْمًا، لَكَانَ مُمْتَدًّا مُتَنَاهِيًا أَوْ غَيْرَ مُتَنَاهٍ، هُوَ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ ، وَهُوَ فَرْعُ كَوْنِهِ قَابِلًا لِثُبُوتِ الِامْتِدَادِ وَنَفْيِهِ ، أَوْ لِثُبُوتِ النِّهَايَةِ وَنَفْيِهَا ، وَنَحْنُ نَقُولُ: هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ ، أَوْ هُوَ [فَوْقَ الْعَرْشِ] وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَدًّا وَلَا غَيْرَ مُمْتَدٍّ ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا وَلَا غَيْرَ مُتَنَاهٍ ، كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُمْ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، مُبْدِعٌ لِلْعَالَمِ، مُسَمَّى بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُتَنَاهٍ وَلَا غَيْرُ مُتَنَاهٍ ، بَلْ ذَاتُهُ لَا تَقْبَلُ إِثْبَاتَ ذَلِكَ وَلَا نَفْيَهُ وَلَا تَقْبَلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ حَالٌّ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجٌ عَنْهُ، فَلَا تُوصَفُ ذَاتُهُ بِالدُّخُولِ وَلَا بِالْخُرُوجِ ، فَإِنَّ ذَاتَهُ لَا تَقْبَلُ الِاتِّصَافَ لَا بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا بِنَفْيِهِ . فَهَذَا وَنَحْوُهُ قَوْلُكُمْ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ صَحِيحًا أَمْكَنَ مَنْ أَثْبَتَ الْعُلُوَّ دُونَ التَّجْسِيمِ ، أَوِ الْعُلُوَّ وَالتَّجْسِيمَ، وَنَفَى مَا يُذْكَرُ مِنْ لَوَازِمِهِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مَا تَقُولُونَهُ أَنْتُمْ حَيْثُ أَثْبَتُّمْ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ مُبْدِعًا لِلْعَالَمِ ، وَنَفَيْتُمْ مَا يُذْكَرُ مِنْ لَوَازِمِهِ ، فَإِنَّ لُزُومَ تِلْكَ اللَّوَازِمِ لِمَا أَثْبَتُّوهُ أَظْهَرُ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ مِنْ لُزُومِ هَذِهِ اللَّوَازِمِ لِمَا أَثْبَتَهُ هَؤُلَاءِ ، فَإِنْ أَمْكَنَكُمْ نَفْيُ اللُّزُومِ ، وَادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِاللُّزُومِ وَإِحَالَةَ مَا أَثْبَتُّمُوهُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ دُونَ الْعَقْلِ، أَمْكَنَ خُصُومَكُمْ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا قُلْتُمُوهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَهَذَا يَفْهُمُهُ مَنْ تَصَوَّرَ حَقِيقَةَ قَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ وَأَدِلَّتَهُمُ الْعَقْلِيَّةَ ، فَإِنَّهُ إِذَا قَابَلَ بَيْنَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَقَوْلِ هَؤُلَاءِ تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ الْمُوَازَنَةِ ، وَأَنَّ الْإِثْبَاتَ أَقْرَبُ إِلَى صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَأَبْعَدُ عَنِ التَّنَاقُضِ ، كَمَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى صَحِيحِ الْمَنْقُولِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية