الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري

الدكتور / محسن عبد الحميد

الفصل التاسع

المذهبية الإسلامية والحل المرحلي

ذكرنا قبل صفحات أن المذهبية الإسلامية، مذهبية شاملة في شئون الكون والمجتمع والإنسان. وهي كمال مطلق تفاصليه كثيرة، فمن غير المعقول والواقعي أن نقول بأن هـذا الكمال لا بد أن يستعمل بكليته في معالجة كل قضية وحدها، بل قد نأخذ جانبا من جوانب تلك المذهبية فنسلطه على حل مشكلة ما في الزمان والمكان، حسب الحادثة أو طبيعة المرحلة.

ومن الخطأ المنهجي الكبير، إعطاء صفة الشمولية المذهبية لذلك [ ص: 95 ] الجانب المحدد، بحيث يستعمل في مراحل أخرى مختلفة، وكأنه هـو المذهبية الإسلامية برمتها، فتحرم المرحلة التالية من جانب آخر من المذهبية يكون حلا ناجعا لقضيتها المعروضة في إطارها، فيحدث تخلخل واقعي بين الجزء الفكري من المذهبية وبين تلك القضية.

ولقد قاد هـذا الخطأ المنهجي في تاريخ الأمة الإسلامية إلى انحرافات خطيرة، وأعاق المجتمع الإسلامي عن الخروج من الأزمات الحضارية والمواقف الاجتماعية، التي لم تستعمل فيها الجوانب الملائمة من المذهبية الشاملة.

ولا بد في توضيح هـذه الفكرة من ضرب بعض الأمثلة:

عندما بدأت الحضارة الإسلامية تحتك بالحضارات الأخرى، ظهرت حاجة ماسة إلى الاستعانة بالمنطق العقلي في الإسلام، لا سيما عندما اشتد الصراع الفكري بين الإسلام وبين الأديان والملل، فوجد مفكرو الإسلام أن الاعتماد على ذلك المنطق العقلي غدا ضرورة لإلحاق الهزيمة الفكرية بخصوم دينهم وحضارتهم. فظهر على الكلام بمذاهبه، ولقد أدى هـذا العلم دوره في تثبيت العقائد الإسلامية وإفحام خصومها، غير أن المعتزلة ظنوا أن هـذا الاتجاه العقلي هـو الإسلام بشموله ومصادر معرفته، فعدوا كل من خالفهم من أهل الحديث والكلام خارجا عن الإسلام، وهم وحدهم مسلمون لأنهم أهل العدل والتوحيد، وهكذا فإنهم أسبغوا على اجتهادهم الخاص في مدى استعمال العقل، شمولية الإسلام، وانتهى أمرهم الى انحراف خطير في تحويل الرأي الاجتهادي الخاص إلى العقيدة القاطعة, وزادوا عليه أنهم فرضوه بالعنف الدموي على الفكر [ ص: 96 ] الإسلامي كله في عصر المأمون والمعتصم والواثق ، مما فتح مجالا واسعا للابتعاد عن الانسجام العقائدي الشامل الذي كان من أسباب فرقة الأمة وضعفها أمام جحافل الأعداء.

ومن نافلة القول أن نقول: إن النظر العقلي من أسس التفكير الإسلامي غير أن الإسلام أشمل من مجرد النظر العقلي، فحصره في هـذا النطاق وحده، كان انحرافا كبيرا من المعتزلة، وممن يسمون في تاريخ الفكر الإسلامي بفلاسفة الإسلام!

وكذلك الحال بالنسبة إلى طرح الحل الروحي الصوفي، في الفترات التي حلت بالمسلمين الهزائم والنكبات. فلقد كان هـذا ناتجا عن طبيعة المرحلة وتعبيرا عن الهزيمة الداخلية والصدمة النفسية التي أصابت المسلمين، ولم يكن واجبا أن يستمر بزخمه وقوته، كي لا يتحول بدافع الاستمرارية والهزيمة والقعود إلى المذهبية الشاملة بعد انتهاء المرحلة وعدم الحاجة إليه.

زد على ذلك دخول انحراف خطير فيه نتيجة لدخول الفلسفة الإشراقية والاتحادية والحلولية الغريبة عن النزعة الروحية الإسلامية الخالصة.

ولقد وقعت هـذه المأساة فعلا، فاصطبغت حياة المسلمين في القرون الأخيرة بنظرة روحية تواكلية سلبية في الحياة، قتلت في المجتمع المسلم روح الحركة والإقدام والمبادرة التي تشكل جوهر الإسلام في عملية التغيير وأداء حق الخلافة على الأرض، لا بل إن هـذا التيار لا يزال يمكن له بمختلف الأساليب بين المسلمين ويعيق عملية بناء المجتمع الإسلامي من جديد، من خلال معادة ومقاومة الفكر الإسلامي العصري الشامل [ ص: 97 ] الذي يريد تربية المسلمين تربية إسلامية صحيحة شاملة ودفعهم إلى إعادة النظر في مختلف نواحي حياتهم والانطلاق منها نحو استئناف حياة إسلامية ربانية صحيحة، وقهر عوامل التخلف، والإقدام على التغير الجذري في الحياة من أجل بناء الحضارة الإسلامية.

وهناك مثل آخر في بدايات العصر الحديث في الجزيرة العربية، وهو الحركة التي قادها " الشيخ محمد بن عبد الوهاب " رحمه الله تعالى لمحاربة مظاهر الشرك والانحرافات والبدع في حياة المسلمين، وقد أدت هـذه الحركة مهمتها الجلية، فطهرت الجزيرة العربية من تلك المظاهر الشركية والبدعية،وتجاوز أثرها إلى بقية البلاد الإسلامية، في إطار الجانب العقيدي، الذي لا شك أنه يمثل جزءا مهما من المذهبية الإسلامية، ولقد أدى تغير الزمان منذ بداية القرن الرابع عشر الهجري، إلى دفع المفكرين الإسلاميين العظام أن يتوجهوا إلى المذهبية الإسلامية، بشمولها الكوني والمجتمعي والإنساني لملاحقة ذلك التغير الحضاري الهائل في حياتهم، وللدخول في الصراع الشامل مع المذهبيات المادية المتنوعة ومنظوماتها التفصيلية في الحياة كافة.

إن نزول الفكر الإسلامي الشامل اليوم كفيل بأن يذيب فيه الجيوب الإسلامية كافة، التي كان كل جيب فيها ردا مرحليا على انحراف معين في المجتمع الإسلامي في مراحل معروفة.

ومصداق ذلك ما نرى اليوم من بداية اقتناع الجميع بأن تبني المنهج الإسلامي التغييري الشامل وأنظمته المتكاملة غدت من الضرورات الملحة. [ ص: 98 ]

أي إن جميع المخلصين يدركون اليوم أنه لم يعد يكفي الاعتماد على الجانب العقيدي وحده أو التشريعي وحده أو السلوكي وحده، لمجابهة الأزمات الحضارية والانتكاسات الفردية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع الإسلامي. بل لا بد أن تمشي الخطوط الثلاثة متكاملة متوازنة متعانقة، لمعالجة السقوط العقائدي والاجتماعي والأخلاقي فيه، تمهيدا لإحداث التغير الإسلامي المنتظر. [ ص: 99 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية