الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
رابعا: أدبيات الكتابة

للكتابة أنواع وغـايات، فهي على الأغـلب إما نسـخية نقلية، أو تأليفية.

والكتابة التأليفية أنواع أيضا، إما رسمية موجهة من مؤسسات الدولة للمواطن أو موجهة من المواطن لمؤسسة حكومية، وإما إنشائية شخصية كالرسائل الشخصية والمكاتبات الاجتماعية بين الأفراد على اختلاف أغراضها، وإما بحثية علمية كالدراسات والبحوث وتأليف الكتب المتخصصة وفق منهج علمي واضح، وإما تعبيرية أدبية كالرواية والقصص والشعر وسائر أشكال الأدب المعروفة.

فالكتابات الرسمية تمتاز بالإيجاز والدقة في التعبير، والعبارات المصوغة بإحكام من غير إبـهام ولا تخييل، فهي منظمـة الأفكار واضحة الأهداف، مناسبة لمقام المرسـل إليه، خـالية من التعقيد ولا تحتاج تأويلا.. والكتابة الإنشائية الشخصية تعتمد في قصرها وطولها وصياغتها ولغتها على أهدافها.

أما الكتابة الأدبية الإبداعية فهي ما ينشئه الأديب من نصوص أدبية لها سمات فنية في البناء وعرض المضمون؛ إذ يكون للتصوير [ ص: 125 ] الفني نصيب موفور فيها، فكاتبها إذا يمتلك موهبة خاصة بذلك، وله قدرات متميزة في استخدام اللغة على وجه الخصوص، وفي إحكام خبراته الفنية في إدارة النص وتوجيهه، وفي ابتكار المعاني من خلال معارفه الحياتية، فطبيعة الأدب تقتضي استحضار الحقيقة بالوهم، فهو لا يعنى بنقل صور واقعية مطابقة للمشهد البصري قدر عنايته بظـلال تلك الصور وما توحيه من إشـارات ومعان ودلالات تحقق الإمـتاع الفـني واللذة الجمالية. فالأدب فن، والفن يهدف من ضمن ما يهدف إلى الانتصار لخاصية الجمال والخير والحق.

والكاتب بناء، والمفردات لبنات، وبمقدار خبرة الكاتب ودرايته بأسباب البناء وجمالياته يكون نصه معمارا متماسـكا أو متصـدعا أو آيلا للسقوط.

وعليه، فمهما اختلفت أساليب الكتابة ودوافعها، فإن لها أدبيات مشتركة يحسن بالكاتب مراعاتها، والانتباه إليها لكي يحقق نصه عناصر النجاح، ومن أهمها:

- تنظيم أفكاره وهيكلتها قبل البدء بالكتابة، أي رسم تصـور منظم للمضامين التي يريد عرضها ومعالجتها، وهو تصور مبدئي [ ص: 126 ] ضروري يعين الكاتب على إنشاء نصه وفق الطراز الذي ينشده، ووفق أولويات أفكاره وأساليب كتابتها.

- الكتابة بخط جميل، فإن لم يكن جميلا، فليكن مقروءا واضحا، والخط الجميل أو المقروء الواضح تتوافر فيه السمات الآتية:

1- تناسب أحجام الحروف في الكلمة الواحدة، واتساقها مع نوع الخط، كخط النسخ، والرقعة، والثلث والديواني... الخ.

2- مطابقة الحرف المكتوب في رسمه لصورته الصحيحة، فمن عيوب رسم الحروف في أثناء الكتابة أن نقرأ حرفا مـا على أنه حرف آخر، فنقرأ الميم حاء، أو عينا، ونقرأ الحاء صادا أو ضادا، ونقرأ الدال راء أو الراء دالا، فالحرف المشكل في رسمه يحيلنا إلى قراءته حرفا آخر، فيتغير معنى الكلمة أو يلتبس، وقد تؤدي القراءة الخطأ إلى عواقب غير محمودة.

3- التناسب في المسافات بين الكلمة وجارتها، وبين النقطة والحرف، وبين الحرف وحركته، وبين الحرف وأخيه، فذلك مدعاة لقراءة سليمة مريحة. [ ص: 127 ]

- ترتيب الكتابة على الورقة عن طريق ترك فراغات محددة على جانبي الورقة، وأعلاها وأسفلها، بحيث لا يتعدى السطر المساحة المقررة له.

- وضع كل علامة من علامات الترقيم في موضعها الصحيح، فالالتزام بذلك يؤدي إلى قراءة سـليمة تتمثل المعـنى، وإلى شـكل جميل للنص المكتوب فضلا عن زيادة ثقة القارئ بلغة الكاتب، وكفايته الكتابية بالعربية.

- تفقير النـص، أي جعل النص المكتوب فقرات منظمة، فبعد كل فقرة ينتقل الكاتب إلى بداية سطر جديد مبتعدا عن الهامش الأيمن مسافة أكبر من المسافة المقررة في سائر الأسطر.

- مراعاة سلامة اللغة من الأخطاء الإملائية والنحوية والصرفية؛ لأن مثل هـذه الأخطاء تحرف المعاني، وتقلل ثقة القارئ أو السامع بالنص المكتوب، إذ لا يعـد الكاتب كاتبا ما لم يكن على علم ودراية بعلوم العربية، وإجادة الكتابة بها.

-وضع الهمزات والحركات الإعرابية في مواضعها الصحيحة من الحروف حيث لزم ذلك، فبعض الكلمات بحاجـة إلى ضبطها [ ص: 128 ] بالشكل ولا سيما الكلمات التي تقرأ على وجهين أو ثلاثة أو أكثر، وذلك حرصا على دقة المعنى المراد إبانته.

- اختيار الأسـاليب العربية اللائقة عند الكتابة، فخير الكتابة ما كانت بأسلوب عربي مبين، وناسبت مقتضى الحال، وخلت من المفردات الوحشية الغريبة أو المهجورة، ومن التراكيب المبهمة، ومن الجمل الطويلة المملة أو المفردات السوقية المبتذلة، ومن كل ما يقـلق المعنى والسـياق أو يذهب بمتعة القراءة وحاجة الفهم من تكرار ممل أو إيجاز مخل.

- تدعيم المادة المكتوبة بالشواهد والأدلة من آيات كريمة وأحاديث شريفة وأقوال مأثورة وشعر، ورفد النـص بالتوثيق إن لزم ولا سيما الآيات القرآنية.

- الكتابة على وجه واحد من الورقة.

- استخدام القلم المناسب، إذ إن بعض الأقلام ذو خط باهت فاه غير مقروء يسبب الأذى للعين والضيق للقارئ.

- تقليل الشطب والمحو والطمس، حتى لا تحمل النفوس على النفور من المادة المكتوبة مهما كانت جودتها عالية. فالنص النظيف [ ص: 129 ] يبهج البصر، ويدفع بقارئه للقراءة برغبة وتواصل.

- ضبط أحجام العناوين الرئيسة والفرعية.

- قراءة النص بعد الكتابة مرة واثنتين لمراجعته، ولتحريره من كل شائبة، للتحقق من سلامته الشكلية والمضمونية. فالنص المكتوب بالقلم صورة تعكس ذوق صاحبها.

- وقبل البدء بالكتابة، ولا سيما الكتابة الإبداعية على اختلاف فنونها، يحسن بك أن تتخير الوقت الملائم، وذلك حين تكون نشيطا صافي الذهن، مستوفيا حصتك من النوم، مغتسلا ولا سيما في الصباح الباكر أو إذا سجى الليل وسكن. قال بشر بن المعتمر في صحيفته:

«خذ من نفسك ساعة فراغك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعـة أكرم جوهرا، وأشرف حسا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع»



[1] . [ ص: 130 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية