الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                              [ ص: 297 ] قوله تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ( 17) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما

                                                                                                                                                                                              خرج الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في "صحيحه " من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" وقال الترمذي : حديث حسن . دل هذا الحديث على قبول توبة الله عز وجل لعبده ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتراقي .

                                                                                                                                                                                              وقد دل القرآن على مثل ذلك أيضا، قال الله عز وجل: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وعمل السوء إذا أفرد دخل فيه جميع السيئات، صغيرها وكبيرها، والمراد بالجهالة الإقدام على عمل السوء . وإن علم صاحبه أنه سوء، فإن كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم،

                                                                                                                                                                                              وبيانه من وجهين:

                                                                                                                                                                                              أحدهما: أن من كان عالما بالله تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله، فإنه يهابه ويخشاه، فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانه، كما قال بعضهم: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه، وقال آخر: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا . [ ص: 298 ] والثاني: أن من آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله وظنه أنها تنفعه عاجلا باستعجال لذتها، وإن كان عنده إيمان فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها بالتوبة في آخر عمره، وهذا جهل محض، فإنه يتعجل الإثم والخزي، ويفوته عز التقوى وثوابها ولذة الطاعة، وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك، وقد يعاجله الموت بغتة، فهو كجائع أكل طعاما مسموما لدفع جوعه الحاضر، ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب الدرياق بعده، وهذا لا يفعله إلا جاهل، وقد قال تعالى في حق الذين يؤثرون السحر: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون والمراد: أنهم آثروا السحر على التقوى والإيمان، لما رجوا فيه من منافع الدنيا المعجلة، مع علمهم أنهم يفوتهم بذلك ثواب الآخرة، وهذا جهل منهم، فإنهم لو علموا لآثروا الإيمان والتقوى على ما عداهما، فكانوا يحرزون أجر الآخرة ويأمنون عقابها، ويتعجلون عز التقوى في الدنيا، وربما وصلوا إلى ما يأملونه في الدنيا أو إلى خير منه وأنفع، فإن أكثر ما يطلب بالسحر قضاء حوائج محرمة أو مكروهة عند الله عز وجل . والمؤمن المتقي يعوضه الله في الدنيا خيرا مما يطلبه الساحر ويؤثره، مع تعجيله عز التقوى وشرفها، وثواب الآخرة وعلو درجاتها، فتبين بهذا أن إيثار المعصية على الطاعة إنما يحمل عليه الجهل، فلذلك كان كل من عصى الله جاهلا، وكل من أطاعه عالما، وكفى بخشية الله علما، وبالاغترار به جهلا . [ ص: 299 ] وأما التوبة من قريب فالجمهور على أن المراد بها التوبة قبل الموت، فالعمر كله قريب، والدنيا كلها قريب، فمن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب . ومن مات ولم يتب فقد بعد كل البعد، كما قيل:


                                                                                                                                                                                              يقولون لا تبعد وهم يدفنونني . وأين مكان البعد إلا مكانيا



                                                                                                                                                                                              وقال آخر:


                                                                                                                                                                                              من قبل أن تلقي وليـ .     س النأي إلا نأي دارك



                                                                                                                                                                                              وكما قيل:


                                                                                                                                                                                              فهم جيرة الأحياء أما مزارهم .     فدان وأما الملتقى فبعيد



                                                                                                                                                                                              فالحي قريب، والميت بعيد من الدنيا على قربه منها، فإن جسمه في الأرض يبلى وروحه عند الله تنعم أو تعذب، ولقاؤه لا يرجى في الدنيا . كما قيل:


                                                                                                                                                                                              مقيم إلى أن يبعث الله خلقه .     لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
                                                                                                                                                                                              تزيد بلى في كل يوم وليلة .     وتنسى كما تبلى وأنت حبيب



                                                                                                                                                                                              وهذان البيتان سمعهما داود الطائي - رحمه الله - من امرأة في مقبرة تندب بهما ميتا لها، فوقعتا من قلبه موقعا، فاستيقظ بهما ورجع زاهدا في الدنيا . راغبا في الآخرة، فانقطع إلى العبادة إلى أن مات - رحمه الله .

                                                                                                                                                                                              فمن تاب قبل أن يغرغر، فقد تاب من قريب، فتقبل توبته وروي عن ابن عباس ، في قوله تعالى: يتوبون من قريب قال: قبل المرض والموت، وهذا إشارة إلى أن أفضل أوقات التوبة، هو أن يبادر الإنسان بالتوبة في صحته قبل نزول المرض به حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح . [ ص: 300 ] ولذلك قرن الله تعالى التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن . وأيضا فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء، والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصدقة بالمال عند الموت، فكأن من لا يتوب إلا في مرضه قد استفرغ صحته وقوته في شهوات نفسه وهواه ولذات دنياه، فإذا أيس من الدنيا والحياة فيها تاب حينئذ وترك ما كان عليه، فأين توبة هذا من توبة من يتوب من قريب، وهو صحيح قوي قادر على عمل المعاصي، فيتركها خوفا من الله عز وجل، ورجاء لثوابه، وإيثارا لطاعته على معصيته . دخل قوم على بشر الحافي، وهو مريض، فقالوا له: على ماذا عزمت؟ قال: عزمت أنى إذا عوفيت تبت، فقال له رجل منهم: فهلا تبت الساعة؟ فقال: يا أخي: أما علمت أن الملوك لا تقبل الأمان ممن في رجليه القيد . وفي رقبته الغل; إنما يقبل الأمان ممن هو راكب الفرس والسيف مجرد بيده . فبكى القوم جميعا .

                                                                                                                                                                                              ومعنى هذا أن التائب في صحته بمنزلة من هو راكب على متن جواده وبيده سيف مشهور، فهو يقدر على الكر والفر والقتال، وعلى الهرب من الملك وعصيانه، فإذا جاء على هذه الحال إلى بين يدي الملك ذليلا له، طالبا لأمانه، صار بذلك من خواص الملك وأحبابه، لأنه جاءه طائعا مختارا له، راغبا في قربه وخدمته . وأما من هو في أسر الملك، وفي رجله قيد، وفي رقبته غل، فإنه إذا طلب الأمان من الملك فإنما طلبه خوفا على نفسه من الهلاك، وقد لا يكون محبا للملك ولا مؤثرا لرضاه، فهذا مثل من لا يتوب إلا في مرضه عند [ ص: 301 ] موته، والأول بمنزلة من يتوب في صحته وقوته وشبيبته، لكن ملك الملوك . أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وكل خلقه أسير في قبضته، لا يعجزه منهم أحد، لا يعجزه هارب، ولا يفوته ذاهب، كما قيل: لا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أعجز ممن هو في يد طالبه، مع هذا فكل من طلب الأمان من عذابه من عباده أمنه على أي حال كان، إذا علم منه الصدق في طلبه أنشد بعض العارفين:


                                                                                                                                                                                              الأمان الأمان وزري ثقيل .     وذنوبي إذا عددت تطول
                                                                                                                                                                                              أوبقتني وأوثقتني ذنوبي .     فترى لي إلى الخلاص سبيل



                                                                                                                                                                                              وقوله عز وجل: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما

                                                                                                                                                                                              فسوى بين من تاب عند الموت ومن مات من غير توبة، والمراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء، ومعاينة المحتضر أمور الآخرة . ومشاهدة الملائكة، فإن الإيمان والتوبة وسائر الأعمال إنما تنفع بالغيب، فإذا كشف الغطاء وصار الغيب شهادة، لم ينفع الإيمان ولا التوبة في تلك الحال .

                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي، قال: لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه، فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ .

                                                                                                                                                                                              وبإسناده عن الثوري ، قال: قال ابن عمر : التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت .

                                                                                                                                                                                              وعن الحسن، قال: التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ الموت بكظمه . [ ص: 302 ] وعن بكر المزني، قال: لا تزال التوبة للعبد مبسوطة ما لم تأته الرسل، فإذا عاينهم انقطعت المعرفة، وعن أبي مجلز قال: لا يزال العبد في توبة ما لم يعاين الملائكة .

                                                                                                                                                                                              وروى أيضا في "كتاب الموت " بإسناده عن أبي موسى الأشعري ، قال: إذا عاين الميت الملك ذهبت المعرفة . وعن مجاهد نحوه .

                                                                                                                                                                                              وعن حصين، قال: بلغني أن ملك الموت إذا غمز وريد الإنسان حينئذ يشخص بصره، ويذهل عن الناس . وخرج ابن ماجه حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا، قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: متى تنقطع معرفة العبد من الناس؟ قال: "إذا عاين " . وفي إسناده مقال . والموقوف أشبه . وقد قيل: إنه إنما منع من التوبة حينئذ، لأنه إذا انقطعت معرفته وذهل عقله، لم يتصور منه ندم ولا عزم، فإن الندم والعزم إنما يصح مع حضور العقل، وهذا ملازم لمعاينة الملائكة، كما دلت عليه هذه الأخبار .

                                                                                                                                                                                              وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر : "ما لم يغرغر"، يعني إذا لم تبلغ روحه عند خروجها منه إلى حلقه، فشبه ترددها في حلق المحتضر بما يتغرغر به الإنسان من الماء وغيره، ويردده في حلقه . وإلى ذلك الإشارة في القرآن بقوله عز وجل: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون وبقوله عز وجل كلا إذا بلغت التراقي وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن الحسن، قال: أشد ما يكون الموت على [ ص: 303 ] العبد إذا بلغت الروح التراقي، قال: فعند ذلك يضطرب ويعلو نفسه ثم بكى الحسن - رحمه الله تعالى .


                                                                                                                                                                                              عش ما بدالك سالما     في ظل شاهقة القصور
                                                                                                                                                                                              يسعى عليك بما اشتهيـ .     ت لدى الرواح وفي البكور
                                                                                                                                                                                              فإذا النفوس تقعقعت .     في ضيق حشرجة الصدور
                                                                                                                                                                                              فهناك تعلم موقنا .     ما كنت إلا في غرور



                                                                                                                                                                                              واعلم; أن الإنسان ما دام يؤمل الحياة فإنه لا يقطع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي وغيرها، ويرجيه الشيطان التوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت، وأيس من الحياة، أفاق من سكرته بشهوات الدنيا، فندم حينئذ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه . وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب ويعمل صالحا، فلا يجاب إلى شيء من ذلك، فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت .

                                                                                                                                                                                              وقد حذر الله تعالى عباده من ذلك في كتابه; ليستعدوا للموت قبل نزوله، بالتوبة والعمل الصالح، قال الله تعالى: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنـزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين

                                                                                                                                                                                              سمع بعض المحتضرين عند احتضاره يلطم على وجهه ويقول:، يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وقال آخر عند احتضاره: سخرت بي الدنيا حتى ذهبت أيامي . وقال آخر عند موته: لا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرتني . [ ص: 304 ] وقال الله تعالى: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها وقال الله تعالى: وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون قال الله تعالى: وحيل بينهم وبين ما يشتهون وفسره طائفة من السلف; منهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله: بأنهم طلبوا التوبة حين حيل بينهم وبينها .

                                                                                                                                                                                              قال الحسن: اتق الله يا ابن آدم، لا يجتمع عليك خصلتان، سكرة الموت . وحسرة الفوت .

                                                                                                                                                                                              وقال ابن السماك : احذر السكرة والحسرة أن يفجأك الموت وأنت على الغرة، فلا يصف واصف قدر ما تلقى ولا قدر ما ترى .

                                                                                                                                                                                              قال الفضيل : يقول الله عز وجل: ابن آدم، إذا كنت تتقلب في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي، فاحذرني لا أصرعك بين معاصي .

                                                                                                                                                                                              وفي بعض الإسرائيليات: ابن آدم، احذر لا يأخذك الله على ذنب فتلقاه لا حجة لك، مات كثير من المصرين على المعاصي على أقبح أحوالهم وهم مباشرون للمعاصي، فكان ذلك خزيا لهم في الدنيا مع ما صاروا إليه من عذاب الآخرة . وكثيرا ما يقع هذا للمصرين على الخمر المدمنين لشربها، كما قال القائل:


                                                                                                                                                                                              أتأمن أيها السكران جهلا .     بأن تفجأك في السكر المنيه
                                                                                                                                                                                              فتضحى عبرة للناس طرا .     وتلقى الله من شر البريه



                                                                                                                                                                                              [ ص: 305 ] سكر بعض المتقدمين ليلة، فعاتبته زوجته على ترك الصلاة، فحلف بطلاقها ثلاثا لا يصلي ثلاثة أيام، فاشتد عليه فراق زوجته، فاستمر على ترك الصلاة مدة الأيام الثلاثة، فمات فيها على حاله وهو مصر على الخمر . تارك للصلاة .

                                                                                                                                                                                              كان بعض المصرين على الخمر يكنى أبا عمرو ، فنام ليلة وهو سكران . فرأى في منامه قائلا يقول له:

                                                                                                                                                                                              جد بك الأمر أبا عمرو     وأنت معكوف على الخمر
                                                                                                                                                                                              تشرب صهباء صراحية .     سال بك السيل ولا تدري



                                                                                                                                                                                              فاستيقظ منزعجا وأخبر من عنده بما رأى، ثم غلبه سكره فنام، فلما كان وقت الصبح مات فجأة .

                                                                                                                                                                                              قال يحيى بن معاذ : الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادما مع الخاسرين .

                                                                                                                                                                                              وفي حديث خرجه الترمذي مرفوعا: "ما من أحد يموت إلا ندم " قالوا: وما ندامته؟ قال: "إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب " .

                                                                                                                                                                                              إذا ندم المحسن عند الموت فكيف يكون حال المسيء . غاية أمنية الموتى في قبورهم حياة ساعة يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعمل صالح، وأهل الدنيا يفرطون في حياتهم فتذهب أعمارهم في الغفلة ضياعا، ومنهم من يقطعها بالمعاصي .

                                                                                                                                                                                              [ ص: 306 ] قال بعض السلف: أصبحتم في أمنية ناس كثير، يعني أن الموتى كلهم يتمنون حياة ساعة، ليتوبوا فيها ويجتهدوا في الطاعة، ولا سبيل لهم إلى ذلك،

                                                                                                                                                                                              وقد أنشد بعضهم:


                                                                                                                                                                                              لو قيل للقوم ما مناكم طلبوا .     حياة يوم ليتوبوا فاعلم
                                                                                                                                                                                              ويحك يا نفس ألا تيقظ .     ينفع قبل أن تزل قدمي
                                                                                                                                                                                              مضى الزمان في توان وهوى .     فاستدركي ما قد بقي واغتنمي



                                                                                                                                                                                              الناس في التوبة على أقسام:

                                                                                                                                                                                              فمنهم: من لا يوفق لتوبة نصوح، بل ييسر له عمل السيئات من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرا عليها، وهذه حالة الأشقياء . وأقبح من ذلك من يسر له في أول عمره عمل الطاعات، ثم ختم له بعمل سيئ حتى مات عليه، كما في الحديث الصحيح: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" .

                                                                                                                                                                                              وفي الحديث الذي خرجه أهل السنن: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين عاما، ثم يحضره الموت فيجور في وصيته فيدخل النار" .

                                                                                                                                                                                              ما أصعب الانتقال من البصر إلى العمى، وأصعب منه الضلالة بعد الهدى، والمعصية بعد التقى . كم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها: عاملة ناصبة (3 تصلى نارا حامية كم من شارف مركبه [ ص: 307 ] ساحل النجاة، فلما هم أن يرتقي لعب به موج الهوى فغرق . الخلق كلهم تحت هذا الخطر . قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .

                                                                                                                                                                                              قال بعضهم: ما العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا، وأنشد:


                                                                                                                                                                                              يا قلب إلام تطالبني .     بلقا الأحباب وقد رحلوا
                                                                                                                                                                                              أرسلتك في طلبي لهم .     لتعود فضعت وما حصلوا
                                                                                                                                                                                              سلم واصبر واخضع لهم .     كم قبلك مثلك قد قتلوا
                                                                                                                                                                                              ما أحسن ما علقت به .     آمالك منهم لو فعلوا



                                                                                                                                                                                              وقسم: يفنى عمره في الغفلة والبطالة، ثم يوفق لعمل صالح فيموت عليه . وهذه حالة من عمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع . فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها .

                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية