الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            جزء صفحة
            الْوَجْهُ السَّادِسُ : أَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يُفْتَنُونَ وَبِفِتْنَةِ الْقَبْرِ : سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، وَالْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِيهِ ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ مَلَكَا السُّؤَالِ الْفَتَّانَيْنِ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ " أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ، فَيُقَالُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . . . " الْحَدِيثَ . وَرَوَى أحمد وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ " أَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : فِيمَ كُنْتَ ؟ . . . " الْحَدِيثَ . فَانْظُرْ كَيْفَ فَسَّرَ قَوْلَهُ : " تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ " بِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ . وَرَوَى أحمد وأبو داود مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَسَأَلَهُ . . . " الْحَدِيثَ . وَرَوَى أحمد ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، مِنْ طَرِيقِ أبي الزبير أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا ، فَإِذَا أُدْخِلَ الْمُؤْمِنُ قَبْرَهُ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، جَاءَهُ مَلَكٌ شَدِيدُ الِانْتِهَارِ ، فَيَقُولُ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ . . . " الْحَدِيثَ . وَرَوَى ابن أبي داود فِي الْبَعْثِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ؟ قَالَ : فَتَّانَا الْقَبْرِ . . . الْحَدِيثَ . وَرَوَى أبو نعيم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مِثْلَهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر : كَيْفَ أَنْتَ إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا ؟ قَالَ : وَمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ؟ قَالَ : فَتَّانَا الْقَبْرِ - الْحَدِيثَ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عائشة قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِي يُفْتَنُ أَهْلُ الْقُبُورِ ، وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) . وَرَوَى أحمد وأبو داود حَدِيثَ : كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ . وَرَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ ؟ قَالَ : كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً . وَرَوَى جويبر مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ وَقَالَ : وَهِيَ أَشَدُّ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ . وَكَذَا مَا رَوَاهُ أبو نعيم مِنْ مُرْسَلِ ضَمْرَةَ : فَتَّانُو الْقَبْرِ ثَلَاثَةٌ ؛ أَنْكَرُ وَنَاكُورٌ وَرُومَانُ . وَمَا رَوَاهُ ابن الجوزي عَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا : فَتَّانُو الْقَبْرِ أَرْبَعَةٌ ؛ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَنَاكُورٌ وَسَيِّدُهُمُ رُومَانُ . وَأَمَّا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ ابن الأثير فِي " النِّهَايَةِ " فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ - يُرِيدُ مَسْأَلَةَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ - مِنَ الْفِتْنَةِ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ ، وَقَدْ كَثُرَتِ اسْتِعَاذَتُهُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ [ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ] ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ - أَيْ تُمْتَحَنُونَ بِي فِي قُبُورِكُمْ - وَيُتَعَرَّفُ إِيمَانُكُمْ بِنُبُوَّتِي . وَقَالَ النووي فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ، مَعْنَى تُفْتَنُونَ : تُمْتَحَنُونَ ، فَيُقَالُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ : هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَيَقُولُ الْمُنَافِقُ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ، هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الصَّحِيحِ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ " فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ : لِلْفِتْنَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ ، وَمَعْنَاهَا هُنَا الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ ، وَكَذَا قَالَ الباجي وابن رشيق والقرطبي فِي شُرُوحِهِمْ عَلَى " الْمُوَطَّأِ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي " الرِّسَالَةِ " : وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَيُسْأَلُونَ ، وَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ . قَالَ يوسف بن عمر فِي " شَرْحِ الرِّسَالَةِ " : قَوْلُهُ : تُفْتَنُونَ - أَيْ تُخْتَبَرُونَ - وَهُوَ قَوْلُهُ : وَيُسْأَلُونَ ، وَأَتَى بِهِ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ : تُفْتَنُونَ . وَقَالَ الجزولي فِي " شَرْحِ الرِّسَالَةِ " : الْفِتْنَةُ تَأْتِي وَالْمُرَادُ بِهَا الْكُفْرُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) وَتَأْتِي وَالْمُرَادُ بِهَا الِاحْتِرَاقُ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) وَتَأْتِي وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَيْلُ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الضَّلَالُ ، قَالَ تَعَالَى : ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْمَرَضُ ، قَالَ تَعَالَى : ( أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ) وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الِاخْتِبَارُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) أَيِ اخْتَبَرْنَاكَ ، قَالَ : وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : تُفْتَنُونَ مَعْنَاهُ : تُخْتَبَرُونَ . وَقَالَ الْإِمَامُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ فِي أُرْجُوزَتِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ : وَكُلَّ مَا أَتَاكَ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ خُذْهُ تَرْشَدِ مِنْ فِتْنَةِ الْعِبَادِ فِي الْقُبُورِ وَالْعَرْضِ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ قَالَ شَارِحُهُ : فِتْنَةُ الْقُبُورِ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية