الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            جزء صفحة
            وَلْنَخْتِمِ الْكِتَابَ بِلَطَائِفَ : الْأُولَى : أَنَّ سُنَّةَ الْإِطْعَامِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ، بَلَغَنِي أَنَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى الْآنَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَمْ تُتْرَكْ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآنَ ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ إِلَى الصَّدْرِ الْأَوَّلِ . [ وَرَأَيْتُ ] فِي التَّوَارِيخِ كَثِيرًا فِي تَرَاجِمِ الْأَئِمَّةِ يَقُولُونَ : وَأَقَامَ النَّاسُ عَلَى قَبْرِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ، وَأَخْرَجَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِي فِيمَا نُسِبَ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ " : سَمِعْتُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ أَبَا الْفَتْحِ نَصْرَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ الْمِصِّيصِيَّ يَقُولُ : تُوُفِّيَ الشَّيْخُ نَصْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ التَّاسِعِ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِدِمَشْقَ ، وَأَقَمْنَا عَلَى قَبْرِهِ سَبْعَ لَيَالٍ نَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ عِشْرِينَ خَتْمَةً . الثَّانِيَةُ : قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ لَا يُسْأَلُونَ أَصْلًا ، كَالصِّدِّيقِ وَالشَّهِيدِ ، وَالْمُرَابِطِ ، وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ . وَمِنَ اللَّطَائِفِ فِي ذَلِكَ مَا أَوْرَدَهُ الجزولي مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي " شَرْحِ الرِّسَالَةِ " قَالَ : رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَنْزِلَانِ بِالْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ ، وَهُمَا فَظَّانِ غَلِيظَانِ ، أَسْوَدَانِ ، أَزْرَقَانِ ، يَطَآنِ فِي شُعُورِهِمَا ، وَيَنْتَحِتَانِ الْأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا ، يَمْشِيَانِ فِي الْأَرْضِ كَمَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي الضَّبَابِ ، بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِرْزَبَةٌ مِنْ حَدِيدٍ ، لَوْ وُضِعَتْ عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الدُّنْيَا لَذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ ، فَيَسْأَلَانِهِ ، فَقَالَ لَهُ عمر : وَأَنَا كَمَا أَنَا الْآنَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : إِذَنْ وَاللَّهِ أُخَاصِمُهُمَا ، فَرَآهُ ابْنُهُ عبد الله بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ لَهُ : مَا كَانَ مِنْكَ ؟ فَقَالَ لَهُ : أَتَانِي الْمَلَكَانِ ، فَقَالَا لِي : مَنْ رَبُّكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَقُلْتُ : رَبِّيَ اللَّهُ ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ، وَأَنْتُمَا مَنْ رَبُّكُمَا ، فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَقَالَ : إِنَّهُ عمر ، فَوَلَّيَا عَنِّي . قَالَ الجزولي : وَمِثْلُهُ يُرْوَى عَنْ أبي المعالي أَنَّهُمَا وَقَفَا عَلَيْهِ وَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ ، فَقَالَ لَهُمَا : مَا شَأْنُكُمَا ، أَنْتُمَا مَلَكَا رَبِّي ؟ أَفْنَيْتُ فِي ذِكْرِهِ عُمُرِي ، وَيُسِّرْتُ لِنُصْرَتِهِ ، فَمَا عَسَى أَنْ تَقُولَا وَقَدِ امْتَلَأَتِ الدُّنْيَا بِأَقْوَالِي وَسُمِّيتُ فِيهَا أبا المعالي ؟ فَقَالَا : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ أبو المعالي ، نَمْ هَنِيئًا وَلَا تُبَالِي . قُلْتُ : أَبُو الْمَعَالِي هُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ لَهُ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ إِلَّا هَذَا الْإِكْرَامُ لَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الحافظ أبو الطاهر السلفي فِي " الطُّيُورِيَّاتِ " ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ : رَأَيْتُ يزيد بن هارون فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَقُلْتُ : مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ قَالَ : أَتَانِي فِي قَبْرِي مَلَكَانِ فَظَّانِ غَلِيظَانِ ، فَقَالَا : مَنْ رَبُّكَ ، وَمَا دِينُكَ ، وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَأَخَذْتُ بِلِحْيَتِي الْبَيْضَاءِ وَقُلْتُ : لِمِثْلِي يُقَالُ هَذَا وَقَدْ عَلَّمْتُ النَّاسَ جَوَابَكُمَا ثَمَانِينَ سَنَةً ! فَذَهَبَا . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي " السُّنَّةِ " : أَخْبَرَنَا محمد بن المظفر بن حرب ، ثَنَا إبراهيم بن محمد بن عثمان النيسابوري قَالَ : سَمِعْتُ أحمد بن محمد الحيري المزكي يَقُولُ : حَدَّثَنِي عبد الله بن الحارث الصنعاني قَالَ : سَمِعْتُ حوثرة بن محمد المنقري البصري يَقُولُ : رَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ الْوَاسِطِيَّ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ ، فَقُلْتُ : مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ فَقَالَ : تَقَبَّلَ مِنِّي الْحَسَنَاتِ ، وَتَجَاوَزَ عَنِ السَّيِّئَاتِ ، وَوَهَبَ لِي التَّبِعَاتِ . قُلْتُ : وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : وَهَلْ يَكُونُ مِنَ الْكَرِيمِ إِلَّا الْكَرَمُ ؟ غَفَرَ لِي ذُنُوبِي وَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : فَبِمَ نِلْتَ الَّذِي نِلْتَ ؟ قَالَ : بِمَجَالِسِ الذِّكْرِ ، وَقَوْلِ الْحَقِّ ، وَصِدْقِي فِي الْحَدِيثِ ، وَطُولِ قِيَامِي فِي الصَّلَاةِ ، وَصَبْرِي عَلَى الْفَقْرِ ، قُلْتُ : وَمُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ حَقٌّ ؟ قَالَ : إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَقَدْ أَقْعَدَانِي وَسَأَلَانِي وَقَالَا لِي : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَجَعَلْتُ أَنْفُضُ لِحْيَتِي الْبَيْضَاءَ مِنَ التُّرَابِ فَقُلْتُ : مِثْلِي يُسْأَلُ ؟ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ الْوَاسِطِيُّ ، وَكُنْتُ فِي دَارِ الدُّنْيَا سِتِّينَ سَنَةً أُعَلِّمُ النَّاسَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : صَدَقَ ، هُوَ يزيد بن هارون ، نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ ، فَلَا رَوْعَةَ عَلَيْكَ بَعْدَ الْيَوْمِ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ فِي انْتِخَابِهِ لِحَدِيثِ الفراء : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَدٍ الْأَرْتَاحِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ ، أَنَا أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر البخاري الحافظ ، ثَنَا القاضي أبو الحسن محمد بن إسحاق الملحمي ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، ثَنَا محمد بن كثير بن بنت يزيد بن هارون قَالَ : رَأَيْتُ جَدِّي يزيد بن هارون فِي النَّوْمِ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا جَدِّي ، كَيْفَ رَأَيْتَ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا ؟ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ جَاءَانِي فَأَجْلَسَانِي فِي قَبْرِي ، وَقَالَا لِي : مَنْ رَبُّكَ ؟ فَقُلْتُ لَهُمَا : أَلِي يُقَالُ هَذَا وَقَدْ كُنْتُ أُعَلِّمُ النَّاسَ الدِّينَ مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَةً ؟ الثَّالِثَةُ : عَجِبْتُ مِمَّنِ اسْتَغْرَبَ سُؤَالَ الْمَيِّتِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ، ذَكَرَ الشَّيْخُ تاج الدين السبكي فِي " الطَّبَقَاتِ الْوُسْطَى " فِي تَرْجَمَةِ الشيخ أبي الفتوح أخي الغزالي أَنَّهُ حَكَى يَوْمًا عَلَى رَأْسِ مِنْبَرِهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَخِي حُجَّةَ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ : إِنَّ الْمَيِّتَ مِنْ حِينِ يُوضَعُ عَلَى النَّعْشِ يُوقَفُ فِي أَرْبَعِينَ مَوْقِفًا يُسَائِلُهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ السبكي : فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى دِينِهِ وَيَخْتِمَ لَنَا بِخَيْرٍ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ . الرَّابِعَةُ : أَخْرَجَ ابن سعد فِي " الطَّبَقَاتِ " مِنْ طَرِيقِ ليث ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : مَا تَعَلَّمْتَ فَتَعَلَّمْهُ لِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ ذَهَبَتْ مِنْهُمُ الْأَمَانَةُ ، قَالَ : وَكَانَ يَعُدُّ الْحَدِيثَ حَرْفًا حَرْفًا . وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي " الْحِلْيَةِ " مِنْ طَرِيقِ ليث قَالَ : قَالَ لِي طَاوُسٌ : مَا تَعَلَّمْتَ فَتَعَلَّمْهُ لِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ الْأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ قَدْ ذَهَبَا مِنَ النَّاسِ ، وَقَالَ أبو محمد عبيد الله بن علي بن عبد الرحمن بن منصور بن زياد الكاتب فِي أَمَالِيهِ : ثَنَا الحسن بن علي بن راشد قَالَ : سَمِعْتُ أبا الربيع العتكي يَقُولُ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : إِنِّي أَخَذْتُ مَنْ كُلِّ طَيْرٍ رِيشَةً ، وَمَنْ كُلِّ ثَوْبٍ خِرْقَةً ، قَالَ : وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ : إِنِّي لَأَحْرِمُ جُلَسَائِيَ الْحَدِيثَ الْغَرِيبَ لِمَوْضِعِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ثَقِيلٍ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية