الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ص: ( لا إن انقطع تتابعه بمرض أو سفر ) ش: هذا مخرج من قوله : ( وكفت نية ) لما يجب تتابعه، فيحتمل أن يكون على حذف مضاف، والتقدير: لا إن انقطع وجوب تتابعه، والمعنى: أن النية إنما تكفي فيما يجب تتابعه ما لم يحصل فيه ما يقطع وجوب التتابع كالمرض والسفر، فإن حصل ذلك فيه فلا تكفي النية السابقة، ولو أراد المكلف استمراره على الصوم ومتابعته فلا بد له من التجديد كل ليلة. قال في التوضيح : وما ذكره - يعني ابن الحاجب - من الاكتفاء بنية واحدة إنما هو في حق الحاضر، وأما المسافر فلا بد له من التبييت كل ليلة، قاله في العتبية . والمريض ملحق بالمسافر. وحكى سند قولا ثانيا في المسافر بالاكتفاء بنية واحدة، وأشار اللخمي إلى أنه يتخرج على القول بالاكتفاء بالنية الواحدة في السرد، انتهى.

                                                                                                                            ( قلت ) : وتخريج اللخمي ظاهر، وصرح ابن رشد في البيان بأن الاكتفاء بالنية الأولى هو قول مالك في المبسوط .

                                                                                                                            وقال الفاكهاني في شرح الرسالة : من نوى جميع رمضان من أوله ثم سافر في أثنائه  اختلف فيه قول مالك، فقال في المبسوط : لا يحتاج إلى تجديد نية. وقال في العتبية : يحتاج إلى تجديد النية. واستظهر في البيان الاكتفاء بنية واحدة من أوله، ونصه في رسم سلف من سماع عيسى : وأما ما كان من الصيام يجوز تفريقه، كقضاء رمضان وصيامه في السفر، وصيام كفارة اليمين، وفدية الأذى، فاختلف إذا نوى متابعة ذلك هل تجزيه واحدة في أوله؟ أو يلزمه تجديد النية لكل يوم لجواز الفطر؟ على قولين: الأظهر منهما أنه تجزئه نية واحدة في أوله، يكون حكمها باقيا ولو زال عينها ما لم يقطعها بنية الفطر عامدا، وأما لو لم ينو متابعته من ذلك، فلا اختلاف في أن عليه تجديد النية لكل يوم، انتهى.

                                                                                                                            والذي أشار إليه صاحب التوضيح في العتبية هو في سماع موسى، ونصه: قال مالك : لا يجزيه الصيام في السفر إلا أن يبيته في صيام رمضان. ابن رشد : معناه أنه لا يجزئه الصيام في السفر في رمضان إلا أن يبيته كل ليلة وإن نوى أن يتابع الصيام في سفره، وأما إن لم ينو متابعة الصيام فلا خلاف أنه لا بد له من التبييت في كل ليلة. وفي المبسوط لمالك : أنه لا تبييت على من شأنه سرد الصيام، ومثله في الواضحة . وقال أبو بكر الأبهري ومحمد بن الجهم : وهذا استحسان، والقياس : أن عليه التبييت في كل ليلة لجواز الفطر. فما له في المبسوط لمالك خلاف قول مالك في هذه الرواية، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم سلف من سماع عيسى وبالله التوفيق، انتهى.

                                                                                                                            وعلم من كلام المصنف: أن المسافر إذا فرغ من سفره وأقام، فلا بد له من تجديد النية لما بقي من صومه الذي يجب عليه فيه التتابع من باب أحرى، [ ص: 421 ] وكذلك المريض إذا صح؛ لأن ما بعد السفر والمرض كصوم مبتدإ، وكذلك الحائض. وكل من أفطر لعذر أو لغير عذر فلا تكفيه النية الأولى؛ لأنه إذا كانت النية الأولى ينقطع حكمها بارتفاع وجوب التتابع، ولو كان التتابع حاصلا فأحرى أن يرتفع حكمها بانقطاع التتابع حسا.

                                                                                                                            قال في التلقين : وأما قطع النية فهو بإفساد الصوم أو تركه على الإطلاق لعذر أو لغير عذر، أو لحصول الوجه الذي يسقط معه الانحتام، وإن أثر الصوم معه كالسفر والمرض، أو لا ينقطع استدامتها، وإنما ينقطع استصحاب ابتدائها، انتهى.

                                                                                                                            ففهم من قوله بإفساد الصوم: أنه لو فسد صوم يوم من رمضان أو من الصيام الذي يجب تتابعه، فإن حكم النية ينقطع ولو كان بالفطر فيه ناسيا، ولا بد من تجديدها لما بقي منه، وقد صرح بذلك في التوضيح وقال: إنه إذا انقطع التتابع بفطر لمرض أو حيض أو سفر أو نسيان، فإنه يلزمه تجديد النية على المشهور . قال: وعبر عنه في التنبيهات بالمعروف، انتهى.

                                                                                                                            مع أن الفطر ناسيا لا يقطع التتابع بلا خلاف، كما سيأتي تحقيقه في كتاب الظهار، وأن كلام المصنف يقتضي أن فيه خلافا. وفهم من قول التلقين : أو بحصول الوجه الذي يسقط معه الانحتام - ما تقدم في حق المسافر والمريض.

                                                                                                                            وقوله: ولا يقطع استدامتها إلى آخره يعني به: أن حصول المرض والسفر في أثناء النهار لا يقطع استدامة النية حكما في ذلك اليوم، وإنما يقطع استصحابها في ابتداء الصوم فيما بعد ذلك، والله أعلم. وقال في التوضيح : وانظر إذا أفطر متعمدا لغير عذر هل يلزمه التجديد اتفاقا ويجري فيه الخلاف؟ وعبارة ابن بشير : لو طرأ في رمضان ما أباح الفطر هل يفتقر إلى إعادة التبييت؟ في المذهب قولان، انتهى.

                                                                                                                            ( قلت ) : قال في الذخيرة : الحكم السابع من أحكام الإفطار قطع النية الحكمية، وفي الجواهر : تنقطع بإفساد الصوم أو تركه على الإطلاق لعذر أو لغير عذر، أو بزوال التحتم كالسفر والمرض، انتهى. وأصله في التلقين كما تقدم فتأمله، والله أعلم.

                                                                                                                            ويحتمل أن يريد المصنف بقوله: ( لا إن انقطع تتابعه ) أن الصوم الذي يجب تتابعه وتكفي فيه النية الواحدة إذا انقطع التتابع فيه بحصول الفطر بوجه من الوجوه المتقدمة، فلا بد من تجديد النية لما بقي منه. وأما إذا حصل ما يقطع وجوب التتابع - ولم ينقطع التتابع بالفعل - فيستفاد حكمه من مفهوم قول المصنف أولا: ( وكفت نية لما يجب تتابعه ) كما تقدم بيان ذلك، والله أعلم.

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية