الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

المهم الخامس : المنكح . وقد قال قائلون لا معنى للزهد في أصل النكاح ولا في كثرته وإليه ذهب سهل بن عبد الله وقال قد حبب إلى سيد الزاهدين النساء فكيف نزهد فيهن ووافقه على هذا القول ابن عيينة وقال كان أزهد الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان له أربع نسوة وبضع عشرة سرية .

والصحيح ما قاله أبو سليمان الداراني رحمه الله إذ قال : كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم والمرأة قد تكون شاغلا عن الله .

وكشف الحق فيه أنه قد تكون العزوبة أفضل في بعض الأحوال كما سبق في كتاب النكاح ، فيكون ترك النكاح من الزهد وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة الغالبة فهو واجب فكيف يكون تركه من الزهد ، وإن لم يكن عليه آفة في تركه ولا فعله ولكن ترك النكاح احترازا عن ميل القلب إليهن والأنس بهن بحيث يشتغل عن ذكر الله فترك ذلك من الزهد فإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله ولكن ترك ذلك احترازا من لذة النظر والمضاجعة والمواقعة فليس هذا من الزهد أصلا فإن الولد مقصود لبقاء نسله وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم : من القربات واللذة التي تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضره إذا لم تكن هي المقصد والمطلب وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذة الأكل والشرب وليس ذلك من الزهد في شيء ؛ لأن في ترك ذلك فوات بدنه فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا في لذته من غير خوف آفة أخرى وهذا ما عناه سهل لا محالة ولأجله نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإذا ثبت هذا فمن حاله حال رسول الله : صلى الله عليه وسلم : في أنه لا يشغله كثرة النسوة ولا اشتغال القلب بإصلاحهن والإنفاق عليهن فلا معنى لزهده فيهن حذرا من مجرد لذة الوقاع والنظر ولكن أنى يتصور ذلك لغير الأنبياء والأولياء فأكثر الناس يشغلهم .

كثرة النسوان فينبغي أن يترك الأصل إن كان يشغله وإن لم يشغله وكان يخاف من أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة غير جميلة وليراع قلبه في ذلك .

قال أبو سليمان الزهد في النساء أن يختار المرأة الدون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والشريفة .

وقال الجنيد رحمه الله أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بثلاث وألا تغير حاله التكسب وطلب الحديث والتزوج وقال أحب للصوفي أن لا يكتب ولا يقرأ ؛ لأنه أجمع لهمه فإذا ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل فما شغل عن الله فهو محذور فيهما جميعا .

التالي السابق


(المهم الخامس: المنكح .

وقد قال قائلون) من الصوفية (لا معنى للزهد في أصل النكاح ولا في كثرته وإليه ذهب) أبو محمد (سهل بن عبد الله) التستري - رحمه الله تعالى - (وقال قد حبب إلى سيد الزاهدين) - صلى الله عليه وسلم - (النساء) فكيف نزهد فيها ولا معنى لمحبتهن إلا النكاح كأنه يشير إلى الخبر المشهور: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة، ولفظ سهل لا يصح الزهد في النساء; لأنه قد حبب إلى سيد الزاهدين (ووافقه) في ذلك الإمام أبو محمد سفيان (بن عيينة) الهلالي مولاهم المكي - رحمه الله تعالى - (وقال) ليس في كثرة النساء دنيا (كان أزهد الصحابة) وأعلاهم شأنا فيه (علي بن أبي طالب) - رضي الله عنه - (كان له أربع نسوة) بالصداق (وبضع عشرة سرية) مات عنهن .

(والصحيح) في ذلك (ما قاله أبو سليمان الداراني) - رحمه الله تعالى - (إذ قال: كل ما شغلك عن الله من أهل ومال فهو عليك مشؤوم) هكذا نقله القشيري ويروى أيضا من قول داود الطائي كما تقدم قريبا، ونقل القشيري أيضا عن الداراني قال: الزهد ترك ما يشغل عن الله تعالى، وقال أحمد بن حنبل زهد العارفين ترك العبد ما يشغل عن الله تعالى (والمرأة قد تكون شاغلة عن الله تعالى) فيكون الزهد تركها [ ص: 367 ] (وكشف الحق فيه أنه قد تكون العزوبة أفضل) للسالك (في بعض الأحوال كما سبق) بيانه (في كتاب النكاح، فيكون ترك النكاح من الزهد وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة الغالبة) عن شبق كشبق الحمار لا يرعوي ولا ينتهي إلا بالسفاد (فهو واجب) حينئذ .

(فكيف يكون تركه من الزهد، وإن لم تكن عليه آفة في فعله ولا تركه ولكن ترك النكاح احتراز من ميل القلب إليهن والأنس بهن بحيث يشتغل عن ذكر الله فترك ذلك من الزهد) إذ الأنس بغير الله من الدنيا (وإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله تعالى ولكن ترك ذلك احترازا من لذة النظر) إليها (والمضاجعة) لها (والمواقعة) بها (فليس هذا من الزهد أصلا فإن الولد مقصود لبقاء نسله وتكثير) سواد (أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من القربات) لما في الخبر: تزوجوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم وتقدم .

(واللذة التي تلحق الأنس فيما هو من ضرورة الوجود لا تضره إذ لم تكن) تلك اللذة (هي المقصد والمطلب وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذة الأكل والشرب وليس ذلك من الزهد في شيء; لأن في ترك ذلك فوات بدنه) لما يعتريه من الضعف ووهن القوى (فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا في لذته من غير خوف آفة أخرى تعرض عليه وهذا ما عناه) أي: قصده (سهل) التستري - رحمه الله تعالى - من قوله: لا يصح الزهد في النساء .

(لا محالة ولأجله نكح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا ثبت هذا فمن) كان (حاله حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنه لا يشغله كثرة النسوة ولا اشتغال القلب بإصلاحهن والإنفاق عليهن) كما تقدم ذلك في النكاح (فلا معنى لزهده فيهن حذرا من مجرد لذة الوقاع والنظر ولكن أنى يتصور ذلك لغير الأنبياء) - عليهم السلام - (والأولياء) الذين على قدمهم (فأكثر الناس يشغلهم كثرة النسوان فينبغي أن يترك الأصل إن كان يشغله) عن الله تعالى (وإن لم يشغله وكان يخاف من أن يشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة) وليقتصر عليها أو (لينكح غير جميلة) أي: مشهورة بالجمال بحيث يشار إليها (وليراع قلبه في ذلك قال أبو سليمان) الداراني - رحمه الله تعالى - (الزهد في النساء أن يختار المرأة الدون أو اليتيمة على الجميلة والشريفة) نقله صاحب القوت .

ويروى عنه أيضا: الزهد في النساء أن تختار المرأة الدميمة والقريبة الأمر من كبر وغير منظر على الشابة الحسناء، وذهب إلى ذلك مالك بن دينار فكان يقول يترك الرجل اليتيمة أو الضعيفة لله فإن أطعمها أو كساها أو فرحها أجر في ذلك وكان له في ثواب الآخرة، ويتزوج ابنة فلان وفلان .

وبالجملة الاقتصاد في شأن النساء والتقلل وأخذ الحاجة والكفاية منهن كالقول في شأن الدنيا، من ذلك أن لا ينكح المرأة لما ينكح أبناء الدنيا من المعاني الثلاث: لا لحسنها ولا لحسبها ولا لمالها فلم يبق إلا الدين والصلاح فهذه زوجة أخروية ليست من الدنيا، وقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وصف الفقراء أنهم لا تفتح لهم الأبواب ولا ينكحون المتمتعات أو المتنعمات فدل أنهم ينكحون المتبذلات وذلك في خبر أبي سلام الحبشي رفعه: يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم قيل من هم؟ قال: الشعث رءوسا، الدنس ثيابا، الذين لا تفتح لهم السدد، ولا ينكحون المتنعمات، فلما سمع ذلك عمر بن عبد العزيز بزمنه بكى حتى أخضل لحيته وقال: لست منهم قد فتحت لي السدود يعني الأبواب ونكحت المتنعمات يعني أم البنين بنت عبد الملك ولكن لا جرم والله لا أدهن رأسي حتى يشعث ولا أغسل ثوبي حتى يدنس .

وكان يحيى بن معاذ الرازي يتكلم في تزويج الزاهد فيقول: الكيس من الزهاد من إذا أراد التزويج لله، وعلى الزاهد أن يلقى المرأة بهذه الخصال فإن هي أجابته وإلا ترك، أولها في شأن الكفاية والمعاش، فيقول: لا أسعى في طلب دنيا ولو كسب دانقين، والثانية: أن يعلمها أنه ليس عنده مال وإن يده في مالها إن كان عندها [ ص: 368 ] كيده في ماله من إخراجه، والثالثة: يقول أردت الخروج إلى الحج أو زيارة أو غزو لزمت الرضا وكنت عونا في إنفاذه، والرابعة: إن تزوجت عليك ثلاثا لم تعرضي بوجهك ولم تتغيري، والخامسة: خفة الصداق، والسادسة: خذ وهات، والسابعة: سرعة البناء .

فإن وافق منها هذه الخصال فليتقدم ولا يتوقف، وكانت امرأته زاهدة وكان يحكي عنها زهد النساء، قال: قالت لي أهلي ما زهد النساء؟ قلت: ترك الزينة والرياء، قالت: أعلى من هذا، قلت: ما هو؟ قالت: تطيب نفسها لزوجها بأن يتزوج عليها من شاء من النساء، فإن الزوج من الدنيا وهو يشتد على النساء وتعلق قلبها به من الدنيا، قال فقلت: لها هي بضاعتكم أنتم بها أعرف، قال وقلت لها: قد أذن الله في تزويج أربعة من النساء، فقالت: ليس يفرض عليك أن تتزوج بأربعة وفرض عليك أن تعدل بين اثنين .

(وقال الجنيد) رحمه الله تعالى (أحب للمريد المبتدي) في إرادته وسلوكه (أن لا يشغل قلبه بثلاث) خصال (وألا تغير حاله) ونقص مزيده من سلوكه (التكسب وطلب الحديث والتزويج) نقله صاحب القوت، أي: فإن في هذه الخصال ركونا إلى الدنيا، هو مثل قول أبي سليمان الذي تقدم تقريبا: من تزوج أو سافر أو كتب الحديث فقد ركن إلى الدنيا .

(وقال) الجنيد أيضا (أحب للصوفي أن لا يكتب ولا يقرأ; لأنه أجمع لهمه) نقله صاحب القوت، أي: فإن الاشتغال بالقراءة والكتابة يشتت همه ويغير حاله (فإذا ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل فما يشغل عن الله فهو محذور فيهما جميعا) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث