الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الطفولة ومسئولية بناء المستقبل

الدكتور / نبيل سليم علي

آراء الفقهاء في مدى وجوب الإرضاع

اختلفت آراء الفقهاء في مدى وجوب الإرضاع على الأم، وحقها في تقاضي أجرا عنه.. وسنعرض لذلك بشيء من الإيجاز فيما يلي :

يتفق العلماء على أن الرضاع يجب على الأم ديانة؛ لأن الله تعالى أمر الوالدات بإرضاع أولادهن في قوله تعالى: ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) ، وإن كان الأمر جاء في صورة الخبر، إلا أنه خبر في معنى الأمر، فعلى الأم أن تقوم بإرضـاع طفلها وبخاصة «اللبأ» أو «المسمار» وهو أول اللبن النازل بعد الولادة؛ لأن الولد لا يقـوى ولا تشتد بنيته، إلا به، ولتواتر أهل المعرفة والعلم على أهمية «اللبأ» [ ص: 45 ] الصحية، والغذائية للطفل، كما أنه على الأم - شرعا - أن ترضع طفلها، بعد ذلك، من لبنها الذي جعله الله لطفلها غذاء مفيدا، أفضل من أي غذاء آخر، فإن امتنعت عن إرضاع الطـفل، رغم مقدرتـها على ذلك - وثبوت عدم تضررها، أو تضرر الطفل من إرضاعه بلبنها - فإنها تكون آثمة، أمام الله سبحانه وتعالى ، يحاسبها على امتناعها.

واخـتلف الفقهاء في مدى وجوب الرضاعة قضاء على الأم، وفقا لما يلي:

الرأى الأول:

بعض الفقهاء يرى - كالمالكية - أن الأم إذا كانت زوجة لأبي الصغير فإنه يجب عليها أن ترضع ولدها بلا أجر، إلا إذا كانت عالية القدر، من طبقة نساؤها لا يرضعن أولادهن بأنفسهن، فلا يجب عليها إرضاعه، إلا إذا تعينت، وتتعين الأم في عدة حـالات هـي: إذا رفض الرضاع من غير أمه، وإذا لم يوجـد للأب أو الطفل مال لاستئجار مرضعة له، وإذا لم يوجد من يرضعه بغير أجر، وإذا لم يوجد من يرضعـه بأجر مـع وجود المال مـع الأب أو مع الصغير.

الرأى الثاني: وبعض الفقهاء - كالحنفية والشافعية والحنابلة - يرى أن الرضاعة ليست واجبة قضاء على الأم، إن كانت زوجة لأبي الصغير؛ لأن الرضاعة، كما أنها حق للأب وللطفل، فإنها حق للأم، ولا تجبر الأم على استيفاء حقها، وبخاصة أن للأم من الشفقـة والعطف على طفـلها [ ص: 46 ] ما يجعل امتناعها دليلا على عدم قدرتها، وتضررها صحيا من الرضاعة، وإجبارها على الإرضاع، قد يسبب لها ضررا، والله نـهى عن الإضرار بالأم بسبب الولد، لقوله تعالى: ( لا تضار والدة بولدها ) (البقرة:233) ، ولا تجبر الأم على إرضاع ولدها قضاء، إلا في حال الضرورة، أي إذا تعينت. أما إذا كانت الأم أجنبية عن أبي الصغير، فلا تجبر على الرضاعة؛ لأن أجرة الإرضاع ليست أجرة خالصة، أي ليست عوضا خالصا، بل هـي مئونة ونفقة تجب على الأب، فلتلك الأم الأجنبية أن تحصل على أجر الرضاعة من الأب، إن قامت بها.

ويلاحظ أن الأم، لم تلزم بالإرضاع قضاء في كل الأحوال؛ لأن الضرر قد يكون أمرا داخليا غير ملحوظ، والغالب أن الأم لا تمتنع عن الإرضاع - مع وجود شفقتها وحنوها- إلا لأسباب قوية، تبرر موقفها، كما أن الرضاعة قد لا تكون واجبة شرعا على الأم، إذا كانت تسبب ضررا لها، أو للطفل، لمرضها مرضا معديا، أو تحملها صحيا للرضاعة لمرضها ببعض الأمراض كالقلب مثلا.

وفي الحالات السابقة، يكون الامتناع عن الرضاعة لأسباب طارئة تبرره، إنما يبقى حكم الأصل على ما هـو عليه وفقا لما سبق بيانه، وقد تكلم القرطبي عن الرضاعة، وهل هـي حق للأم أم عليها، ومتى يكون ذلك، فقال: « إن اللفظ محتمل، لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها، [ ص: 47 ] لقال: وعلى الوالدات رضاع أولادهن، كما قال تعالى: ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ) (البقرة:233) ، ولكن هـو عليها في حال الزوجية، وهو عرف يلزم، إذ قد صار كالشرط، إلا أن تكون شريفة ذات ترفه، فعرفها ألا ترضـع، وذلك كالشـرط، وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب، وهو عليها إذا عدم، لاختصاصها به».

ويجب تمكين الأم من إرضاع ابنها، ما دامت ترغب في ذلك، سواء كانت زوجة لأبي الصغير، أم ممتدة منه، أم أجنبية عنه، رعاية لحقها في إرضاع ولدها، «لأنها أكثر الناس شفقة به وحنوا عليه؛ ولأنه جزء منها، ومن حقها المحافظة على جزئها؛ ولأن في ذلك رعاية لمصلحة الصغير، فإن من مصلحته أن ترضعه أمه؛ لأن لبنها أصلح له عادة».

التالي السابق


الخدمات العلمية