الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب الوصية للوارث إذا أجازتها الورثة قال أبو بكر : قد بينا نسخ الوصية للورثة بما قدمنا ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة ، وفيه بيان أن الأخبار الواردة بأن لا وصية لوارث من غير ذكر إجازة الورثة هي محمولة على أن الورثة لم يجيزوها .

ويدل أيضا على أن إجازة الورثة هي محمولة على أن إجازتهم معتبرة بعد الموت ؛ لأنهم في حال حياته ليسوا بورثة ، وإنما تحصل لهم هذه السمة بعد موت المورث ، فمتى أجاز وليس بوارث فإجازته باطلة لعموم قوله : لا وصية لوارث ودل على أن الورثة متى أجازت الوصية لم يكن ذلك هبة مستأنفة من جهتهم فتحمل على أحكام الهبات في شرط القبض والتسليم ونفي الشيوع فيما يقسم ، والرجوع فيها ، بل تكون محمولة على أحكام الوصايا الجائزة دون الهبات من قبل مجيزيها من الورثة .

ودل أيضا على جواز العقود الموقوفة التي لها مجيز؛ لأن الميت عقد [ ص: 208 ] الوصية على مال هو للوارث في حال وقوع الوصية .

وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم موقوفة على إجازة الوارث ، فصار ذلك أصلا فيمن عقد عقد بيع أو عتق أو هبة أو رهن أو إجارة على مال الغير أنه يقف على إجازة مالكه ؛ إذ كان عقدا له مالك يملك ابتداءه وإيقاعه ، وقد دل أيضا على أنه ؛ إذا أوصى بأكثر من الثلث كانت موقوفة على إجازة الورثة ، كما وقفها النبي صلى الله عليه وسلم على إجازتهم إذا أوصى بها لوارث فهذه المعاني كلها في ضمن قوله صلى الله عليه وسلم : لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة .

وقد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة قبل الموت ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن : " إذا أجازوه في حياته لم يجز ذلك حتى يجيزوه بعد الموت " وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود وشريح وإبراهيم .

وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي : " ليس لهم أن يرجعوا فيه بعد الموت ، وهي جائزة عليهم " .

وقال ابن القاسم عن مالك : " إذا استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت ، مثل الولد الذي قد بان عن أبيه والأخ وابن العم الذين ليسوا في عياله ، فإنهم ليس لهم أن يرجعوا ، وأما امرأته وبناته اللاتي لم يبن منه ، وكل من في عياله ، وإن كان قد احتلم فلهم أن يرجعوا ، وكذلك العم وابن العم ، ومن خاف منهم إن لم يجز لحقه ضرر منه في قطع النفقة إن صح ، فلهم أن يرجعوا " .

وروى ابن وهب عن مالك " في المريض يستأذن ورثته في الوصية لبعض ورثته فأذنوا له فليس لهم أن يرجعوا في شيء من ذلك ، ولو كان استأذنهم في الصحة فلهم أن يرجعوا إن شاءوا ، وإنما يجوز إذنهم في حال المرض ؛ لأنه يحجب عن ماله بحقهم فيجوز ذلك عليهم " وقول الليث في ذلك كقول مالك .

ولا خلاف بين الفقهاء أنهم إذا أجازوه بعد الموت فليس لهم أن يرجعوا فيه ، وروي عن طاوس وعطاء أنهم إذا أجازوه في الحياة جاز عليهم . قال أبو بكر : عموم قوله صلى الله عليه وسلم : لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة ينفي جواز الوصية في كل حال ، فلما خص ذلك بقوله : " إلا أن يجيزها الورثة " وهم إنما يكونون ورثة على الحقيقة بعد الموت لا قبله ، فالمخصوص من الجملة إجازتهم بعد الموت .

وما عدا ذلك فهو محمول على عموم بقية الوصية ، والنظر يدل على ذلك ؛ إذ ليسوا مالكين للمال في حال الحياة فلا تعمل إجازتهم فيه كما لا تجوز هبتهم ولا بيعهم ، وإن حدث الموت بعده فالإجازة أبعد من ذلك ، ولما كان الموصى له إنما تقع الوصية له بعد الموت ، فكذلك الإجازة حكمها أن يكون في حال وقوع الوصية ، وأن [ ص: 209 ] لا تعمل الإجازة قبل وقوعها .

وأيضا لما كان للميت إبطال الوصية في حال الحياة مع كونه مالكا ، فالورثة أحرى بجواز الرجوع عما أجازوه ، وإذا جاز لهم الرجوع فقد علمت أن الإجازة لا تصح .

فإن قيل : لما كان حق الورثة ثابتا في ماله بالمرض ومن أجله منع ذلك في المرض عن التصرف فيه بأكثر من الثلث كما منع بعد الموت وجب أن يكون حال المرض حال الموت في باب لزومهم حكم الإجازة إذا أجازوا . قيل له : تصرف المريض جائز عندنا في جميع ماله بالهبة ، والصدقة ، والعتق ، وسائر معاني التصرف ووجوهه ، وإنما نسخ منها بعد الموت ما زاد على الثلث لثبوت حق الورثة بالموت ، وأما قبل ذلك فلا اعتبار بقول الوارث فيه ، ألا ترى أن الوارث ليس له أن يفسخ عقوده قبل الموت ، وإنما ثبت له ذلك بعد الموت عند ثبوت حقه في ماله ؟ فكذلك إجازته قبل موته كلا إجازة ، كما لا يعمل فسخه في عقوده .

وأما ما فرق به مالك بين من يخشى ضررا من جهته في ترك الإجازة وبين من لا يخشى ذلك منه ، فلا معنى له من قبل أن خشية الضرر من جهته لا تمنع صحة عقوده ، وقوله : " إذ ليس يكسبه ذلك حكم المكره ألا ترى أنه لو باع منه شيئا طلبه منه ، وقال : خشيت أن تقطع عني نفقته ، وجرايته بترك إجابته لم يكن ذلك عذرا في إبطال البيع ؟ وكذلك لو استوهبه المريض شيئا فوهبه له لم يكن ما يخافه بترك إجابته مؤثرا في هبته ، فكان ذلك بمنزلة من يخشى من قبله ضررا .

فإذا لا اعتبار لخوف الضرر في قطع النفقة والجراية في إيجاب العتق بين من هو في عياله أو ليس في عياله . والله الموفق بمنه وكرمه .

التالي السابق


الخدمات العلمية