الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
[ ص: 136 ] وتحت قوله : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } كنز عظيم من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم ، ومن حرمه فقد حرم ، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما ، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } وقال تعالى لأكرم خلقه : { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا } وفي الصحيحين من حديث البجلي قال : { وهو يسألهم ويثبتهم } وقال تعالى لرسوله : { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } فالخلق كلهم قسمان : موفق بالتثبيت ، ومخذول بترك التثبيت ، ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد ، فبهما يثبت الله عبده ، فكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا ، قال تعالى : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا ، والقول الثابت هو القول الحق والصدق ، وهو ضد القول الباطل الكذب ; فالقول نوعان : ثابت له حقيقة ، وباطل لا حقيقة له ، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها ، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة ; ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا ، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلوثا وأقلهم ثباتا ، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته ، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ; ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة .

وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به ، فقال : والله ما فهمت منه شيئا ، إلا أني رأيت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل ، فما منح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت ، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم ، كما في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب { عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر } .

التالي السابق


الخدمات العلمية