الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت أن لا فرق في التيمم بين طويل السفر وقصيره ، فالسفر على ثلاثة أضرب : واجب ، ومباح ، ومعصية : فأما الواجب فكسفر الحج ، وأما المباح فكسفر التجارة ، التيمم فهو جائز ، وأداء الصلاة في الحالين صحيح ، وأما المعصية فكسفر البغاة وقطاع الطريق فإذا عدم فيه الماء تيمم وصلى ، وفي وجوب الإعادة وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : عليه الإعادة ، لأن العاصي لا يترخص كما لا يقصر ، ولا يفطر .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا إعادة عليه لأن التيمم في السفر فرض لا يجوز تركه وليس كالرخصة بالقصر والفطر الذي هو مخير بين فعله وتركه .

                                                                                                                                            والعاصي يصح منه أداء الفرض مع معصيته ، وأما العادم للماء في الحضر كالقرية التي ماؤها من بئر تغور أو عين تغيض أو نهر ينقطع فقد اختلف الفقهاء فيمن عدم الماء في الحضر في مثل هذه الحال على ثلاثة مذاهب :

                                                                                                                                            أحدها : وهو مذهب الشافعي أن عليه أن يتيمم ويصلي ثم يعيد إذا وجد الماء .

                                                                                                                                            والمذهب الثاني : وهو مذهب مالك أنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه .

                                                                                                                                            والثالث : وهو مذهب أبي حنيفة أنه لا يتيمم ولا يصلي فإذا وجد الماء استعمله وصلى ، وهذه رواية زفر عنه ، وقد روى الطحاوي عنه مثل مذهب الشافعي فأما مالك فإنه استدل بأن من لزمه فرض الصلاة بالتيمم سقط عنه فرضها بالتيمم كالمسافر ، ولأنها طهارة إذا لزمت في السفر سقط بها الفرض فوجب إذا لزمت في الحضر أن يسقط بها الفرض كالوضوء والدليل عليه قوله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر فجعل للتيمم شرطين : هما السفر والمرض ، فلم يسقط الفرض إلا بهما ليكون للشرط فائدة ، ولأن السفر شرط أبيح التيمم لأجله ، فوجب أن لا يسقط الفرض بعقده كالمرض ، ولأنه مقيم صحيح ، فلم يسقط فرضه بالتيمم كالواجد للماء ، ولأن عدم الماء في الحضر عذر نادر : لأن الأوطان لا تبنى على غير ماء ، وعدمه في السفر عذر عام والأعذار العامة إذا سقط الفرض بها لم توجب سقوط الفرض بالنادر منها كالعادم للماء والتراب .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسه على المسافر فالمعنى في السفر أن عدم الماء في عذر عام ، وأما قياسه على الوضوء فالمعنى فيه ارتفاع الضرورة عنه .

                                                                                                                                            [ ص: 268 ] فصل : وأما أبو حنيفة فاستدل على أن التيمم لا يجب عليه لقوله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر [ المائدة : 6 ] . وهذا ليس بمريض ولا مسافر ، قال : ولأنه تيمم لا يسقط به الفرض فوجب أن لا يلزمه كالتيمم بالتراب النجس ، ولأنه مقيم سليم فلم يلزمه التيمم كالواجد للماء ، ولأنها صلاة لا تؤدى فرضا ، فلم يلزم فعلها كصلاة الحائض .

                                                                                                                                            ودليلنا قوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ المائدة : 6 ] وهذا غير واجد للماء ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا ذر أن يتيمم بالربذة إذا عدم الماء وكانت وطنا ، ولأنه مكلف إدراك الوقت فوجب أن يلزمه التيمم عند عدم الماء كالمسافر ، ولأن كل معنى لو حدث في السفر أوجب التيمم فإذا حدث في الحضر أوجب التيمم كالمرض ، ولأن كل عجز لو حصل في شروط الصلاة لم يسقط فعلها في السفر فإنه لا يسقط فعلها في الحضر ، كالعجز عن القيام والثوب ، ولأنها صلاة عجز عن فعلها بالماء فجاز له فعلها بالتراب ، كصلاة الجنازة والعيدين .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن قوله : وإن كنتم مرضى أو على سفر فإنما جعل السفر شرطا في سقوط الفرض لا في جواز التيمم ، وأما الجواب عن قياسهم على التراب النجس فهو أن المعنى في التراب النجس أنه لما يلزم استعماله في السفر له يلزم استعماله في الحضر .

                                                                                                                                            وأما قياسه على الواجد للماء فالمعنى فيه : أنه لما لزمه أعلى الطهارتين سقط عنه أدناهما ، وليس كذلك العادم .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسهم على الحائض فهو أن الحائض لما لم يلزمها فرض لم يلزمها النفل ، وليس كذلك العادم ، ثم لا يلزم أن يكون الإتيان بالمأمور دليلا على أنه جميع التكليف ، ألا ترى أن من أصبح لا يرى أن يومه من رمضان ثم علم أنه من رمضان فإنه يصوم ويقضي ولو أفسد حجه مضى فيه وقضاه .

                                                                                                                                            فصل : فأما العادم للماء والتراب معا فوجب عليه أن يصلي لحرمة الوقت ويعيد إذا قدر على الماء مسافرا كان أو حاضرا ، فيكون فعلها في الحال واجبا وإعادتها واجبة ، وقال في القديم ، والإملاء : يصلي في الحال استحبابا ويعيدها واجبا ، وقال أبو حنيفة : لا يلزمه أن يصلي ولا يستحب له حتى يقدر على الطهارة فيتطهر ويصلي ، استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : " مفتاح الصلاة الوضوء " فاقتضى أن لا يجوز افتتاحها بغير وضوء قال : ولأن عدم الطهارة أصلا وبدلا يمنع من انعقاد الصلاة كالحائض : قال : ولأن كل صلاة لم يسقط عنه الفرض بفعلها لم يلزمه الإتيان بها كالمحدث مع وجود الماء .

                                                                                                                                            ودليلنا قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل [ الإسراء : 78 ] ولم يفرق ، ولأنه مكلف بالصلاة عدم شرطا من شرائطها فوجب أن يلزمه فعلها كالعريان ، [ ص: 269 ] ولأنه تطهير لو قدر عليه لزمه فعله لأجل الصلاة ، فإذا عجز عنه لزمه فعل الصلاة ، أصله إذا كان على بدنه نجاسة عجز عن إزالتها بالماء ، لأنه لا فرق بين أن يعجز عن إزالة النجاسة لفقد الماء ، وبين أن يعجز عن تطهير الحدث بالتراب والماء ، ولأن كل عبادتين كانت إحداهما شرطا في أداء الأخرى عند التمكن منها لم يكن العجز عن الشرط مسقطا فرض المشروط لها كالتوجه والقراءة وستر العورة .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن قوله : " مفتاح الصلاة الوضوء " فهو أن لفظه وإن جرى مجرى الخبر فمعناه مضى الأمر والأوامر تتوجه إلى المطيق لها ، فصار ما اختلفنا فيه غير داخل في المراد به ، وأما قياسهم على الحائض ، فالمعنى فيها : أنها لما لم يلزمها فرض لم يلزمها فعلها ، وليس هو كذلك المحدث ، وأما قياسهم على الواجد للماء فالمعنى فيه أنه قادر على أدائها بالطهارة ، فلم يجز أن يفعلها بغير طهارة ، وليس كذلك العاجز عنها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية