الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما الفصل الثاني : وهو زمان النية فهو عند ابتداء الطهارة فإن كانت غسلا فعند أول إفاضة الماء على جسده ، فإن نوى بعد أن غسل بعض جسده أجزأته النية ، لكن عليه أن يعيد غسل ما غسله قبل نيته ، وإنما كان كذلك لأنه في الغسل لا يستحق عليه الابتداء بمحل من جسده فكل موضع منه في جواز الابتداء بغسله جائز ، فجاز أن ينوي عند غسله ولا يعتد بما غسله من قبل ، وإن كان وضوءا فالواجب عليه أن ينوي عند غسل وجه ، لأن المستحق عليه الابتداء بوجهه .

                                                                                                                                            ومن حكم العبادة أن تكون النية منوطة بأولها ما خلا الصوم المخصوص بالشرع ، وإذا كان كذلك فله في النية أربعة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : حال استحباب .

                                                                                                                                            والثانية : حال جواز .

                                                                                                                                            والثالثة : حال فساد .

                                                                                                                                            والرابعة : حال اختلاف .

                                                                                                                                            فأما الحالة الأولى في الاستحباب : فهو أن يبتدئ بالنية عند غسل كفيه ويستديمها ذكرا إلى غسل وجهه ، ثم عليه بعد الوجه أن يستديمها حكما وليس عليه أن يستديمها ذكرا ، ومعنى استدامتها ذكرا : أن يكون مستصحبا لذكرها واعتقادها ، فإن أخل بها ناسيا أو عامدا لم يجزه ، وهذا لازم له في الوضوء إلى غسل الوجه ، واستدامتها حكما أن يكون مستصحبا [ ص: 93 ] لحكم نيته ، فلا يحدث نية تخالف ما تقدم من نيته ، وإن أخل بذكره عامدا أو ناسيا أجزأه ، وهذا لازم له بعد الوجه إلى فراغه من طهارته ، فإن استدامها ذكرا كان أكمل .

                                                                                                                                            وأما الحال الثانية في الجواز : فهو أن يبتدئ بالنية عند غسل الوجه فيجزئه وإن أخل بالنية فيما قبل ، لأن ما تقدم الوجه في الوضوء من غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق مسنون وليس بواجب ، وتركه لا يقدح في وضوئه ، فكذلك ترك النية عنده .

                                                                                                                                            لكن اختلف أصحابنا فيما فعله ثم أحدث النية بعده . هل يكون فاعلا للمسنون منه ، معتدا به من وضوئه أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : لا يكون فاعلا لمسنونه ولا معتدا به من وضوئه لخلوه عن نية قارنته أو تقدمته .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن يكون فاعلا للسنة معتدا به من الوضوء ، لأنه من جملة طهارة قد أتى بالنية لها في محلها ، فلو نوى بعد أن غسل بعض وجهه انعقدت نيته ولزمه إعادة غسل ما كان غسله كالجنب إذا نوى عند غسل بعض جسده .

                                                                                                                                            وأما الحال الثالثة في الفساد : فهو أن ينوي بعد غسل الوجه فلا يجزئه لفساد نيته بتأخيرها عن ابتداء وضوئه ، وعليه أن يعيد غسل وجهه مبتدئا بالنية به حتى تكون النية مقارنة لغسل الوجه .

                                                                                                                                            وأما الحال الرابعة في اختلاف النية : فهو أن ينوي قبل غسل وجهه ويحل بالنية عند غسل وجهه ، فإن نوى قبل أخذه في الوضوء في غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق لم يجزه .

                                                                                                                                            وإن نوى عند غسل كفيه أو عند المضمضة والاستنشاق فقد اختلف أصحابنا في جواز ذلك على ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : وهو قول أبي حفص بن الوكيل أنه يجزئه لأن غسل الكفين شروع في الوضوء فصارت النية موجودة عند ابتدائه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يجزئه عند غسل كفيه ، لأنه غسل لا يعتد به ، ويجزئه عند المضمضة والاستنشاق ، لأنهما في الوجه فصارت النية موجودة عند أخذه في تطهير الوجه .

                                                                                                                                            [ ص: 94 ] والوجه الثالث : وهو قول أبي العباس بن سريج أنه لا يجزئه سواء نوى عند غسل كفيه أو عند المضمضة والاستنشاق حتى ينوي عند غسل الوجه ، لأن الوضوء قد يصح بغير مضمضة واستنشاق إلا أن يكون حين تمضمض أو استنشق أصاب الماء شيئا من وجهه فيجزئه لأنه يصير ناويا عند غسل وجهه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية