الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  صفحة جزء
                                                                  ( 477 ) حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري ، وعبد الله بن الصقر العسكري ، قالا : ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، ثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام ، حدثني عبد الرحمن بن عياش الأنصاري ثم المسمعي ، عن دلهم بن الأسود ، عن عاصم بن لقيط ، أن لقيط بن عامر ، خرج وافدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه صاحب له يقال له : نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق ، قال لقيط : خرج فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمت المدينة لانسلاخ رجب ، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انصرف من صلاة الغداة ، فقام في الناس خطيبا ، فقال : " أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأسمعكم اليوم ، ألا فهل من امرئ بعثه قومه ؟ " ، فقالوا : اعلم لنا ما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ، " ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحب له أو يلهيه الضلال ، ألا إني مسؤول ، هل بلغت ؟ ، ألا فاسمعوا تعيشوا ، ألا فاسمعوا تعيشوا ، ألا اجلسوا " ، قال : فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره ، قلت : يا رسول الله ما عندك من علم الغيب ؟ ، [ ص: 212 ] فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي سقطه ، فقال : " ضن ربك بخمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو " ، وأشار بيده ، فقلت : ما هن يا رسول الله ؟ ، قال : " علم المنية ، متى منية أحدكم ولا تعلمونه ، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علم ولا تعلمونه ، وعلم ما في غد قد علم ما أنت طاعم غدا ولا تعلمه ، وعلم يوم الغيب يشرف عليكم آزلين مشفقين ، ويظل ربك يضحك قد علم أن عودتكم قريب " ، قال لقيط : قلت : لن نعدم من رب يضحك خيرا ، " وعلم يوم الساعة " .

                                                                  قلت : يا رسول الله إني سائلك عن حاجتي فلا تعجلني ، قال : " سل عما شئت " ، قلت : يا رسول الله علمنا ما تعلم الناس وما تعلم ، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تعلو علينا ، وخثعم التي توازينا ، توالينا ، وعشيرتنا التي نحن منها ، قال : " تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصيحة ، لعمر إلهك ما يدع على ظهرها من شيء إلا مات ، والملائكة الذين مع ربك ، وأصبح ربك يتطوف في الأرض وخلت عليه البلاد ، فأرسل ربك السماء بهضب من عند العرش ، فلعمر إلهك ما يدع على ظهرها من قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه ويخلقه من قبل رأسه فيستوي جالسا ، يقول ربك : مهيم ؟ ، لما كان فيه ، يقول : يا رب أمس اليوم - لعهده بالحياة يحسبه حديثا " .

                                                                  قلت : يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع ؟ ، قال : " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله : الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحيا أبدا ، ثم أرسل عليها ربك السماء فلم يلبث عليها إلا يسيرا حتى أشرفت عليها فإذا هي شربة واحدة ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأضواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه ساعة وينظر إليكم " .

                                                                  قلت : يا رسول الله كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه ؟ ، قال : [ ص: 213 ] " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله : الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ساعة واحدة ويريانكم ولا تضامون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وتروه منهما أن تروهما ويريانكم " .

                                                                  قلت : يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه ؟ ، قال : " تعرضون عليه بادية صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية ، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبيلكم ، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه واحد منكم قطرة ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء ، وأما الكافر فيجعله مثل الحميم الأسود ، ألا ثم ينصرف نبيكم ، ويتفرق على أثره الصالحون فيسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم على الجمرة ، فيقول : حس ، فيقول ربك : أوانه ، ألا فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله بأهله ، فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطواف والبول والأذى ، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا " .

                                                                  قلت : يا رسول الله فبم نبصر ؟ ، قال : " مثل بصر ساعتك هذه ، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض وواجهته الجبال " .

                                                                  قلت : يا رسول الله فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا ؟ ، قال : " الحسنة بعشر أمثالها ، والسيئة بمثلها أو يغفر " .

                                                                  قلت : يا رسول الله فما الجنة والنار ؟ ، قال : " لعمر إلهك ، إن للنار لسبعة أبواب ما منهن باب إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما ، وإن للجنة ثمانية أبواب ما منهما بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما " .

                                                                  قلت : يا رسول الله فعلى ما نطلع من الجنة ؟ ، قال : " على أنهار من عسل مصفى ، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن ، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون ، وخير من مثله معه ، وأزواج مطهرة " ، قلت : يا رسول الله أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات ؟ ، قال : " الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا [ ص: 214 ] وتلذونكم غير أن لا توالد " ، قال لقيط : قلت : ما أفضل ما نحن بالغون منتهون إليه .

                                                                  قلت : يا رسول الله علام أبايعك ؟ ، فبسط يده وقال : " على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وزيال الشرك ، لا تشرك بالله إلها غيره " .

                                                                  قال : قلت له : فما بين المشرق والمغرب ؟ ، قال : وقبض وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه ، قال : قلت : نحل منها حيث شئنا ، ولا يجني امرؤ إلا نفسه فبسط يده وقال : " فلك ، حل حيث شئت ولا تجني عليك إلا نفسك " ، قال : فانصرفنا عنه ، وقال : " ها إن ذين ، ها إن ذين لمن نفر ، لعمرو إلهك إنهم من أتقى الناس ربه في الدنيا والآخرة " ، فقال له كعب بن الخدارية ، أحد بني أبي بكر بن كلاب : من هم يا رسول الله ؟ ، قال : " بنو المنتفق " ، قال : بنو المنتفق أهل ذلك منهم ، فانصرفت وأقبلت عليه ، فقلت : يا رسول الله هل لأحد ممن مضى قبلنا من خير في جاهليتهم ؟ ، فقال رجل من عرض قريش : والله إن أباك المنتفق لفي النار ، قال : فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمي بما قال على رءوس الناس ، وهممت أن أقول : أين أبوك يا رسول الله ؟ ، فإذا الأخرى أجمل قلت ، وأهلك يا رسول الله ؟ ، قال : " وأهلي ، ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل : أرسلني إليك محمد - صلى الله عليه وسلم - فأبشر بما يسوؤك ، تجر على وجهك وبطنك في النار " ، قلت : يا رسول الله وما فعل ذلك بهم وكانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه ، وكانوا يحسبونهم مصلحين ؟ ، قال : " ذلك فإن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبيا ، فمن أطاع نبيه كان من المهتدين ، ومن عصاه كان من الضالين
                                                                  " .

                                                                  التالي السابق


                                                                  الخدمات العلمية