الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله تعالى : الحج أشهر معلومات قال أبو بكر : قد اختلف السلف في أشهر الحج ما هي ، فروي عن ابن عباس وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد : " أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة " وروي عن عبد الله بن مسعود : " أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة " .

وروي عن ابن عباس وابن عمر في رواية أخرى مثله ، وكذلك روي عن عطاء ومجاهد . وقال قائلون : " وجائز أن لا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة ، وأن يكون مراد من قال وذو الحجة أنه بعضه ؛ لأن الحج لا محالة إنما هو في بعض الأشهر لا في جميعها ؛ لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج " .

وقالوا : " ويحتمل أن يكون من تأوله على ذي الحجة كله مراده أنها لما كانت هذه أشهر الحج كان الاختيار عنده فعل العمرة في غيرها " كما روي عن عمر وغيره من الصحابة استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج على ما قدمنا . وحكى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ؛ لأن من لم يدرك الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فحجه فائت " .

ولا تنازع بين أهل اللغة في تجويز إرادة الشهرين وبعض الثالث ، بقوله : أشهر معلومات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى ثلاثة وإنما هي يومان وبعض الثالث ويقولون : " حججت عام كذا " وإنما الحج في بعضه ، " ولقيت فلانا سنة كذا " وإنما كان لقاؤه في بعضها ، و " كلمته يوم الجمعة " والمراد البعض وذلك من مفهوم الخطاب إذا تعذر استغراق الفعل للوقت كان المعقول منه البعض . قال أبو بكر : ولقول من قال إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة وجه آخر ، وهو شائع مستقيم ، وهو ينتظم القولين من المختلفين في معنى الأشهر المعلومات ؛ وهو أن أهل الجاهلية قد كانوا ينسئون الشهور فيجعلون صفرا المحرم ويستحلون المحرم على حسب ما يتفق لهم من الأمور التي يريدون فيها القتال ، فأبطل الله تعالى النسيء وأقر وقت الحج على ما كان ابتداؤه عليه يوم خلق السموات ، كما قال صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم شوال وذو القعدة وذو الحجة ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .

قال الله تعالى : الحج أشهر معلومات [ ص: 374 ] يعني بها هذه الأشهر التي ثبت وقت الحج فيها دون ما كان أهل الجاهلية عليه من تبديل الشهور وتأخير الحج وتقديمه .

وقد كان وقت الحج معلقا عندهم وهذه الثلاثة التي يأمنون فيها واردين وصادرين ، فذكر الله هذه الأشهر وأخبرنا باستقرار أمر الحج وحظر بذلك تغييرها وتبديلها إلى غيرها . وفيه وجه آخر : وهو أن الله لما قدم ذكر التمتع بالعمرة إلى الحج ورخص فيه وأبطل به ما كانت العرب تعتقده من حظر العمرة في هذه الأشهر ، قال : الحج أشهر معلومات فأفاد بذلك أن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالعمرة إلى الحج وثبت حكمه فيها هذه الأشهر ، وأن من اعتمر في غيرها ثم حج لم يكن له حكم التمتع ؛ والله أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية