الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 372 ] السادسة : رواية مجهول العدالة ظاهرا وباطنا لا تقبل عند الجماهير ، ورواية المستور وهو عدل الظاهر خفي الباطن يحتج بها بعض من رد الأول ، وهو قول بعض الشافعيين ، قال الشيخ : يشبهه أن يكون العمل على هذا في كثير من كتب الحديث في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم ، وتعذرت خبرتهم باطنا ، وأما مجهول العين فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة ، ثم من روى عنه عدلان ، عيناه ارتفعت جهالة عينه ، قال الخطيب : المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ، ولا يعرف حديثه إلا من جهة واحد ، وأقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين .

        ونقل ابن عبد البر ، عن أهل الحديث نحوه ، قال الشيخ ردا على الخطيب : وقد روى البخاري ، عن مرداس الأسلمي ، ومسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي ، ولم يرو عنهما غير واحد ، والخلاف في ذلك متجه كالاكتفاء بتعديل واحد ، والصواب نقل الخطيب ، ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة فإنهما صحابيان مشهوران ، والصحابة كلهم عدول .

        التالي السابق


        ( السادسة : رواية مجهول العدالة ظاهرا وباطنا ) مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه ، ( لا تقبل عند الجماهير ) .

        وقيل : تقبل مطلقا .

        وقيل : إن كان من روى عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قبل وإلا فلا .

        ( ورواية المستور وهو عدل الظاهر خفي الباطن ) ، أي مجهول العدالة باطنا .

        ( يحتج بها بعض من رد الأول ، وهو قول بعض الشافعيين ) ، كسليم الرازي .

        قال : لأن الإخبار مبني على حسن الظن بالراوي ، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن ، فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر ، بخلاف الشهادة ، فإنها تكون عند الحكام ، فلا يتعذر عليهم ذلك .

        ( قال الشيخ ) ابن الصلاح : ( ويشبهه أن يكون العمل على هذا ) الرأي ( في [ ص: 373 ] كثير من كتب الحديث ) المشهورة ( في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم ، وتعذرت خبرتهم باطنا ) ، وكذا صححه المصنف في شرح المهذب .

        ( وأما مجهول العين ) ، وهو القسم الثالث من أقسام المجهول : ( فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة ) ، ورده هو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث ، وغيرهم .

        وقيل : يقبل مطلقا ، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيدا على الإسلام

        وقيل : إن تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل ، كابن مهدي ، ويحيى بن سعيد ، واكتفينا في التعديل بواحد قبل ، وإلا فلا .

        وقيل : إن كان مشهورا في غير العلم بالزهد ، أو النجدة قبل ، وإلا فلا ، واختاره ابن عبد البر .

        وقيل : إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية ، واحد عنه قبل ، وإلا فلا ، واختاره أبو الحسن بن القطان ، وصححه شيخ الإسلام .

        ( ثم من روى عنه عدلان عيناه ، ارتفعت جهالة عينه .

        قال الخطيب ) في " الكفاية " وغيرها : ( المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ) ، ولم يشتهر بطلب العلم في نفسه ، ( ولا يعرف حديثه إلا من جهة ) ( راو واحد ، وأقل ما يرفع الجهالة ) عنه ( رواية اثنين مشهورين ) فأكثر عنه ، وإن [ ص: 374 ] لم يثبت له بذلك حكم العدالة .

        ( ونقل ابن عبد البر ، عن أهل الحديث نحوه ) ، ولفظه كما نقله ابن الصلاح في النوع السابع والأربعين : كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد ، فهو عندهم مجهول إلا أن يكون رجلا مشهورا في غير حمل العلم ، كاشتهار مالك بن دينار بالزهد ، وعمرو بن معدي كرب بالنجدة .

        ( قال الشيخ ) ابن الصلاح ( ردا على الخطيب ) في ذلك ، ( وقد روى البخاري ) في صحيحه ( عن مرداس ) ابن مالك ( الأسلمي ، و ) روى ( مسلم ) في صحيحه ( عن ربيعة بن كعب الأسلمي ، ولم يرو عنهما غير واحد ) ، وهو قيس بن أبي حازم ، عن الأول ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن الثاني ، وذلك مصير منهما إلى أن الراوي يخرج ، عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه ، قال : ( والخلاف في ذلك متجه كالاكتفاء بتعديل واحد ) .

        قال المصنف ردا على ابن الصلاح : ( والصواب نقل الخطيب ) وقد نقله أيضا أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي ، وغيره ، ( ولا يصح الرد عليه بمرداس ، وربيعة ، [ ص: 375 ] فإنهما صحابيان مشهوران ، والصحابة كلهم عدول ) ، فلا يحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعدد الرواة .

        قال العراقي : هذا الذي قاله النووي متجه إذا ثبتت الصحبة ، ولكن بقي الكلام في أنه هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه ، أو لا تثبت إلا برواية اثنين عنه ، وهو محل نظر واختلاف بين أهل العلم .

        والحق أنه كان معروفا بذكره في الغزوات ، أو في من وفد من الصحابة ، أو نحو ذلك ، فإنه تثبت صحبته ، وإن لم يرو عنه إلا راو واحد ، ومرداس من أهل الشجرة ، وربيعة من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد راو واحد عن كل منهما ، على أن ذلك ليس بصواب بالنسبة إلى ربيعة ، فقد روى عنه أيضا نعيم المجمر ، وحنظلة بن علي ، وأبو عمران الجوني .

        قال : وذكر المزي ، والذهبي أن مرداسا روى عنه أيضا زياد بن علاقة ، وهو وهم ، إنما ذاك مرداس بن عروة صحابي آخر ، كما ذكره البخاري وابن أبي حاتم [ ص: 376 ] وابن حبان ، وابن منده ، وابن عبد البر ، والطبراني ، وابن قانع ، وغيرهم ، ولا أعلم فيه خلافا .

        تنبيه

        قال العراقي : إذا مشينا على ما قاله النووي أن هذا لا يؤثر في الصحابة ، ورد عليه من خرج له البخاري أو مسلم من غيرهم ، ولم يرو عنهم إلا واحد .

        قال : وقد جمعتهم في جزء مفرد ، منهم عند البخاري : جويرية بن قدامة ، تفرد عنه أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي .

        وزيد بن رباح المدني ، تفرد عنه مالك .

        والوليد بن عبد الرحمن الجارودي ، تفرد عنه ابن المنذر .

        وعند مسلم : جابر بن إسماعيل الحضرمي ، تفرد عنه عبد الله بن وهب .

        وخباب صاحب المقصورة ، تفرد عنه عامر بن سعد . انتهى .

        قال شيخ الإسلام : أما جويرية ، فالأرجح أنها جارية عم الأحنف ، صرح بذلك ابن أبي شيبة في مصنفه ، وجارية بن قدامة صحابي شهير ، روى عنه الأحنف بن قيس ، والحسن البصري .

        وأما زيد بن رباح ، فقال فيه أبو حاتم : ما أرى بحديثه بأسا ، وقال الدارقطني ، [ ص: 377 ] وغيره : ثقة ، وقال ابن عبد البر : ثقة مأمون ، وذكره ابن حبان في الثقات ، فانتفت عنه الجهالة بتوثيق هؤلاء .

        أما الوليد ، فوثقه أيضا الدارقطني وابن حبان .

        وأما جابر ، فوثقه ابن حبان ، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه ، وقال : : إنه ممن يحتج به .

        وأما خباب فذكره جماعة في الصحابة .

        فائدتان

        الأولى : جهل جماعة من الحفاظ قوما من الرواة لعدم علمهم بهم ، وهم معروفون بالعدالة عند غيرهم ، وأنا أسرد ما في الصحيحين من ذلك : أحمد بن عاصم البلخي ، جهله أبو حاتم ; لأنه لم يخبر بحاله ، ووثقه ابن حبان ، وقال : روى عنه أهل بلده .

        إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي ، جهله ابن القطان ، وعرفه غيره ، فوثقه ابن حبان ، وروى عنه جماعة .

        [ ص: 378 ] أسامة بن حفص المدني ، جهله الساجي ، وأبو القاسم اللالكائي ، قال الذهبي : ليس بمجهول ، روى عنه أربعة .

        أسباط أبو اليسع ، جهله أبو حاتم ، وعرفه البخاري .

        بيان بن عمرو ، جهله أبو حاتم ، ووثقه ابن المديني ، وابن حبان ، وابن عدي ، وروى عنه البخاري وأبو زرعة ، وعبد الله بن واصل .

        الحسين بن الحسن بن يسار ، جهله أبو حاتم ، ووثقه أحمد ، وغيره .

        الحكم بن عبد الله البصري ، جهله أبو حاتم ، ووثقه الذهلي ، وروى عنه أربعة ثقات .

        عباس بن الحسين القنطري ، جهله أبو حاتم ، ووثقه أحمد ، وابنه ، وروى عنه البخاري ، والحسن بن علي المعمري ، وموسى بن هارون الحمال ، وغيرهم .

        محمد بن الحكم المروزي ، جهله أبو حاتم ، ووثقه ابن حبان ، وروى عنه البخاري .

        [ ص: 379 ] الثانية : قال : الذهبي في " الميزان " : ما علمت في النساء من اتهمت ، ولا من تركوها ، وجميع من ضعف منهن إنما هو للجهالة .




        الخدمات العلمية