الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر بعض سيرته وأخباره

قال محمد بن عبيد الله بن عمرو العتبي : نظر معاوية ومعه امرأته ابنة قرظة إلى يزيد وأمه ترجله ، فلما فرغت منه قبلته ، فقالت ابنة قرظة : لعن الله سواد ساقي أمك ! فقال معاوية : أما والله لما تفرجت عنه وركاها خير مما تفرجت عنه وركاك ! وكان لمعاوية من ابنة قرظة عبد الله ، وكان أحمق ، فقالت : لا والله ولكنك تؤثر هذا . فقال : سوف أبين لك ذلك ، فأمر فدعي له عبد الله ، فلما حضر قال : أي بني إني أردت أن أعطيك ما أنت أهله ولست بسائل شيئا إلا أجبتك إليه . فقال : حاجتي أن تشتري لي كلبا فارها وحمارا . فقال : أي بني ، أنت حمار وأشتري لك حمارا ! قم فاخرج .

ثم أحضر يزيد وقال له مثل قوله لأخيه ، فخر ساجدا ثم قال حين رفع رأسه : الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة وأراه في هذا الرأي ، حاجتي أن تعتقني من النار لأن من ولي أمر الأمة ثلاثة أيام أعتقه الله من النار ، فتعقد لي العهد بعدك ، وتوليني العام الصائفة ، وتأذن لي في الحج إذا رجعت ، وتوليني الموسم ، وتزيد لأهل الشام كل رجل عشرة دنانير ، ( وتفرض لأيتام بني جمح وبني سهم وبني عدي لأنهم حلفائي ) .

فقال معاوية : قد فعلت ، وقبل وجهه .

فقال لامرأته ابنة قرظة : كيف رأيت ؟ قالت : أوصه به يا أمير المؤمنين . ففعل .

[ ص: 224 ] وقال عمر بن سبينة : حج يزيد في حياة أبيه ، فلما بلغ المدينة جلس على شراب له ، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين ، فقيل له : إن ابن عباس إن وجد ريح الشراب ( عرفه ، فحجبه وأذن للحسين ، فلما دخل وجد رائحة الشراب ) مع الطيب فقال : لله در طيبك ما أطيبه ! فما هذا ؟ قال : هو طيب يصنع بالشام ، ثم دعا بقدح فشربه ، ثم دعا بآخر فقال : اسق أبا عبد الله .

فقال له الحسين : عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني ، فقال يزيد :


ألا يا صاح للعجب دعوتك ولم تجب     إلى الفتيات والشهوات
والصهباء والطرب     باطية مكلله
عليها سادة العرب     وفيهن التي تبلت
فؤادك ثم لم تثب



فنهض الحسين وقال : بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت .

وقال شفيق بن سلمة : لما قتل الحسين ثار عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس إلى بيعته ، فامتنع وظن يزيد أن امتناعه تمسك منه ببيعته ، فكتب إليه : أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته وأنك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا ، فجزاك الله من ذي رحم خير ما يجزي الواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم ، فما أنس من الأشياء فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل ، فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه فأعلمهم بحاله فإنهم منك أسمع الناس ولك أطوع منهم للمحل .

فكتب إليه ابن عباس : أما بعد فقد جاءني كتابك ، فأما تركي بيعة ابن الزبير فوالله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك ، ولكن الله بالذي أنوي عليم ، وزعمت أنك لست بناس بري ، فاحبس أيها الإنسان برك عني فإني حابس عنك بري ، وسألت أن أحبب الناس إليك وأبغضهم وأخذلهم لابن الزبير ، فلا ولا سرور ولا كرامة ، كيف وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء ، مسلوبين بالعراء ، ( مقتولين بالظماء ، لا مكفنين ولا [ ص: 225 ] موسدين ) ، تسفي عليهم الرياح ، وينشى بهم عرج البطاح ، حتى أتاح الله بقوم لم يشركوا في دمائهم كفنوهم وأجنوهم ، وبي وبهم لو عززت وجلست مجلسك الذي جلست ، فما أنس من الأشياء فلست بناس اطرادك حسينا من حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حرم الله ، وتسييرك الخيول إليه ، فما زلت بذلك حتى أشخصته إلى العراق ، فخرج خائفا يترقب ، فنزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة ، فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته وتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الشرك والكفر ، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري ولا يعجبك أن ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يوما ، والسلام .

( قال الشريف أبو يعلى حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر العلوي ، وقد جرى عنده ذكر يزيد : أنا لا أكفر يزيد لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني سألت الله أن لا يسلط على بني أحدا من غيرهم ، فأعطاني ذلك ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية