الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح الثَّانِيَةُ : لِلصَّحَابَةِ بِأَسْرِهِمْ خَصِيصَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، لِكَوْنِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُعَدَّلِينَ بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ مِنَ الْأُمَّةِ . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الْآيَةَ ، قِيلَ : اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ وَارِدٌ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ وَهَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ الْآيَةَ . وَفِي نُصُوصِ السُّنَّةِ الشَّاهِدَةِ بِذَلِكَ كَثْرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ". ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . التقييد والإيضاح 143 - قَوْلُهُ: (لِلصَّحَابَةِ بِأَسْرِهِمْ خِصِّيصَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ) إِلَى أَنْ قَالَ: (وَفِي نُصُوصِ السُّنَّةِ الشَّاهِدَةِ بِذَلِكَ كَثْرَةٌ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ". ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ). فِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَمَّا تَقَاوَلَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، أَيْ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ صُحْبَةً خَاصَّةً. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ لَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَصْحَابِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَالِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ سَبِّهِ، وَإِنَّمَا دَرَجَاتُ الصُّحْبَةِ مُتَفَاوِتَةٌ، فَالْعِبْرَةُ إِذًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي قَوْلِهِ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي" وَإِذَا نُهِيَ الصَّحَابِيُّ عَنْ سَبِّ الصَّحَابِيِّ، فَغَيْرُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى بِالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ الصَّحَابِيِّ. الثَّانِي: أَنَّ مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى تَعْدِيلِ مَنْ لَمْ يُلَابِسِ الْفِتَنَ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ؛ فَإِنَّهُ حَكَى فِي (الِاسْتِيعَابِ) إِجْمَاعَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. انْتَهَى. وَفِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ، وَلَكِنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيُّ، وَقَالَ: "إِنَّهُ الْمُخْتَارُ" وَحَكَيَا مَعًا قَوْلًا آخَرَ: أَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ فِي لُزُومِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ مُطْلَقًا، وَقَوْلًا آخَرَ: إِنَّهُمْ عُدُولٌ إِلَى وُقُوعِ الْفِتَنِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَابُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَمَّنْ لَيْسَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ. وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى تَفْسِيقِ مَنْ قَاتَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يُرَدُّ الدَّاخِلُونَ فِي الْفِتَنِ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ فَاسْقٌ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. وَقِيلَ: نَقْبَلُ الدَّاخِلَ فِي الْفِتَنِ إِذَا انْفَرَدَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ، وَشَكَكْنَا فِي فِسْقِهِ، وَلَا يُقْبَلُ مَعَ مُخَالَفَةٍ لِتَحَقُّقِ فِسْقِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية