الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح الرَّابِعَةُ : رُوِّينَا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عِدَّةِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : وَمَنْ يَضْبِطُ هَذَا؟ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِجَّةَ الْوَدَاعِ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَشَهِدَ مَعَهُ تَبُوكَ سَبْعُونَ أَلْفًا . وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ - أَيْضًا - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : "أَلَيْسَ يُقَالُ : حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ؟" قَالَ: "وَمَنْ قَالَ ذَا؟ قَلْقَلَ اللَّهُ أَنْيَابَهُ! هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَمَنْ يُحْصِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : مِمَّنْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ " فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا زُرْعَةَ، هَؤُلَاءِ أَيْنَ كَانُوا وَأَيْنَ سَمِعُوا مِنْهُ؟ قَالَ: "أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَمَنْ بَيْنَهُمَا، وَالْأَعْرَابُ، وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ حِجَّةَ الْوَدَاعِ، كُلٌّ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ بِعَرَفَةَ". قُلْتُ: ثُمَّ إِنَّهُ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ طَبَقَاتِهِمْ وَأَصْنَافِهِمْ، وَالنَّظَرِ فِي ذَلِكَ إِلَى السَّبْقِ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَشُهُودِ الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَنْفُسِنَا هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَهُمُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ طَبَقَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَسْنَا نُطَوِّلُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . التقييد والإيضاح 146 - قَوْلُهُ: (وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ - أَيْضًا - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : "أَلَيْسَ يُقَالُ : حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ؟" قَالَ: "وَمَنْ قَالَ ذَا؟ قَلْقَلَ اللَّهُ أَنْيَابَهُ! هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَمَنْ يُحْصِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ") انْتَهَى. وَفِي هَذَا التَّحْدِيدِ بِهَذَا الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ كَبِيرٌ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى تَحْرِيرِ ذَلِكَ مَعَ تَفَرُّقِ الصَّحَابَةِ فِي الْبَوَادِي وَالْقُرَى؟! وَالْمَوْجُودُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَةِ إِلَيْهِ تَرْكُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: "تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ زِيَادَةٌ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَكُلٌّ قَدْ رَوَى عَنْهُ سَمَاعًا أَوْ رُؤْيَةً" انْتَهَى. وَهَذَا قَرِيبٌ؛ لِكَوْنِهِ لَا تَحْدِيدَ فِيهِ بِهَذَا الْقَدْرِ الْخَاصِّ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ فَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى إِسْنَادٍ، وَلَا هُوَ فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الصَّحَابِيِّ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، فَقَالَ: "ذَكَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِخَطِّهِ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي زُرْعَةَ، فَذَكَرَهُ دُونَ قَوْلِهِ: قَلْقَلَ اللَّهُ أَنْيَابَهُ". وَقَدْ جَاءَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا عِدَّةُ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنَّهُ دُونَ هَذَا بِكَثِيرٍ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ السَّاجِيُّ فِي (مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: "أَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ سِتُّونَ أَلْفًا بِالْمَدِينَةِ، وَثَلَاثُونَ أَلْفًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ" وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ مَنْ صَنَّفَ الصَّحَابَةَ لَمْ يَبْلُغْ مَجْمُوعُ مَا فِي تَصَانِيفِهِمْ عَشَرَةَ آلَافٍ، هَذَا مَعَ كَوْنِهِمْ يَذْكُرُونَ مَنْ تُوُفِّيَ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرِهَا، وَمَنْ عَاصَرَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ. وَجَمِيعُ مَنْ ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ - كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى - قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةِ تَرْجَمَةٍ، مِمَّا رَآهُ، أَوْ صَحِبَهُ، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ، أَوْ وُلِدَ فِي عَصْرِهِ، أَوْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ، أَوْ مَنْ ذُكِرَ فِيهِمْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، وَمَنِ اخْتُلِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ بَعْدَ فُشُوِّ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ: "وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ لَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ، يَعْنِي الدِّيوَانَ) الْحَدِيثَ. هَذَا فِي غَزْوَةٍ خَاصَّةٍ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ، فَكَيْفَ بِجَمِيعِ مَنْ رَآهُ مُسْلِمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية