الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا" وَاسْتُنْكِرَ هَذَا مِنَ الْحَاكِمِ . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، وَذَكَرَ مَعْمَرٌ نَحْوَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ خَدِيجَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَجَمَاعَةٍ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَادَّعَى الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّرُ فِيمَا رُوِّينَاهُ أَوْ بَلَغَنَا عَنْهُ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ خَدِيجَةُ، وَأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ بْعَدَهَا . وَالْأَوْرَعُ أَنْ يُقَالَ : أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ أَوِ الْأَحْدَاثِ عَلِيٌّ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الْمَوَالِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَمِنَ الْعَبِيدِ بِلَالٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . التقييد والإيضاح 149 - قَوْلُهُ: (قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا" وَاسْتُنْكِرَ هَذَا مِنَ الْحَاكِمِ ). انْتَهَى. قُلْتُ: إِنْ كَانَ الْحَاكِمُ أَرَادَ بِكَلَامِهِ هَذَا مِنَ الذُّكُورِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الصِّحَّةِ، إِلَّا أَنَّ دَعْوَى إِجْمَاعِ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ شَبَّةَ مِنْهُمْ وَقَدِ ادَّعَى أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَسْلَمَ قَبْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ خِلَافَهُ فَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِدَعْوَى الْحَاكِمِ نَفْيَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمُؤَرِّخِينَ، وَهُوَ إِنَّمَا ادَّعَى نَفْيَ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَمَعَ دَعْوَاهُ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّحَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ، فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ فِي ذَلِكَ" يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ، وَقَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟" قَالَ: "حُرٌّ وَعَبْدٌ" قَالَ: "وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ". وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ: "مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ الْأَحْرَارِ" كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ؛ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلِيًّا أَوَّلُ ذَكَرٍ أَسْلَمَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: "أَوَّلُ مَنْ آمَنَ خَدِيجَةُ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أَوَّلَ ذَكَرِ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَكَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ بَعْدَ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، فَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ" إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. وَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا أَوَّلُ ذَكَرٍ أَسْلَمَ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ: أَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَفِيفٍ الْكِنْدِيِّ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيِّ لِخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ هَذَا الْأَمْرَ مُنْصَرِفًا عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِهِمْ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْفُرْقَانِ وَالسُّنَنِ وَأَنْشَدَ الْقُضَاعِيُّ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَغِيرًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلُمِي وَأَنْشَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِبَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ التَّاهَرْتِيِّ: قُلْ لِابْنِ مُلْجِمٍ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ هَدَمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانًا قَتَلْتَ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ وَأَوَّلَ النَّاسِ إِيمَانًا وَإِسْلَامًا وَأَنْشَدَ الْفَرْغَانِيُّ فِي الذَّيْلِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ يَذْكُرُ عَلِيًّا وَسَابِقَتَهُ: وَأَوَّلُ مَنْ ظَلَّ فِي مَوْقِفٍ يُصَلِّي مَعَ الطَّاهِرِ الطَّيِّبِ وَكَانَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ يُرْمَى بِأَنَّهُ نَاصِبِيٌّ، وَالْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَعْدَاءُ. وَذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الصَّحَابَةِ إِسْلَامًا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ نَفْسِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: "قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ" الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: "وَهَذَا أَصَحُّ" وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِشَعْرِ حَسَّانَ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ؟ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ: إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا وَالثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (الْمُسْتَدْرَكِ) أَنَّ الشَّعْبِيَّ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْ ذَلِكَ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ) مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَجَعَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الْمَسْئُولَ، فَقَالَ: عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ... فَذَكَرَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "إِلَّا النَّبِيَّ" مَكَانَ "بَعْدَ النَّبِيِّ". وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طُرُقٍ "أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَلْجٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلِيٌّ" وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ" وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ" وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَيْضًا، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِهِ، وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "السَّبْقُ ثَلَاثَةٌ: السَّابِقُ إِلَى مُوسَى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَالسَّابِقُ إِلَى عِيسَى صَاحِبُ يَاسِينَ، وَالسَّابِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ" وَفِي إِسْنَادِهِ حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، وَاسْمُ أَبِيهِ الْحَسَنُ، كُوفِيٌّ، مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: "فِيهِ نَظَرٌ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سُخَيْلَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: "أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي" وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: "أَنْكَرُوا مِنْهُ غُلُوَّهُ فِي التَّشَيُّعِ" وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "صَدُوقٌ" وَقَالَ النَّسَائِيُّ: "لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُلَيْمٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: "أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وُرُودًا عَلَى نَبِيِّهَا أَوَّلُهَا إِسْلَامًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ "أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ" الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ زَوَّجْتُكِهِ وَإِنَّهُ لَأَوَّلُ أَصْحَابِي سِلْمًا، وَأَكْثَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَعْظَمُهُمْ حِلْمًا" وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ أَقْدَمَ أُمَّتِي سِلْمًا" فَذَكَرَهُ. وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ هَذَا مَجْهُولٌ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَجَعَلَهُ أَبُو حَاتِمٍ نُفَيْعًا أَبَا دَاوُدَ أَحَدَ الْهَلْكَى، وَأَمَّا الْمِزِّيُّ فَجَعَلَهُ آخَرَ ثِقَةً تَبَعًا لِصَاحِبِ (الْكَمَالِ) وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ. وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: "رَأَيْتُ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ يَضْحَكُ عَلَى الْمِنْبَرِ، لَمْ أَرَهُ ضَحِكَ ضَحِكًا أَكْثَرَ مِنْهُ" الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا أَعْتَرِفُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَبَدَكَ قَبْلِي غَيْرَ نَبِيِّكَ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "لَقَدْ صَلَّيْتُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي النَّاسُ سَبْعًا". وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَحَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ الْعُرَنِيُّ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ، وَوَثَّقَهُ الْعَجْلِيُّ. وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ خَدِيجَةَ أَسْلَمَتْ قَبْلَ عَلِيٍّ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَلْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ فَضَائِلَ لِعَلِيٍّ، ثُمَّ قَالَ: "وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ خَدِيجَةَ" وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَأَبُو بَلْجٍ - وَإِنْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ - فَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ سَعْدٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ مِنْ تَقَدُّمِ إِسْلَامِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَرَادَ: مِنَ الذُّكُورِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ بِمَا نَذْكُرُهُ، فَقَالَ: "اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ، ثُمَّ عَلِيٌّ بَعْدَهَا" ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّ عَلِيًّا أَخْفَى إِسْلَامَهُ مِنْ أَبِي طَالِبٍ، وَأَظْهَرَ أَبُو بَكْرٍ إِسْلَامَهُ؛ وَلِذَلِكَ شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ" وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي ضَحِكِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنَّهُ يَذْكُرُ "أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حِينَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَخْلَةَ" الْحَدِيثَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ، وَصَلَّتْ خَدِيجَةُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، وَصَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، فَمَكَثَ عَلِيٌّ يُصَلِّي مُسْتَخْفِيًا سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ" وَالتَّقْيِيدُ بِسَبْعِ سِنِينَ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَفِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمُ نَقْلُهُ عَنْهُ مَا يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْجَمْعِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: "ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ فَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ" فَفِيهِ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ لَمْ يُظْهِرْ إِسْلَامَهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَدْءِ الْوَحْيِ وَنُزُولِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَرُجُوعِهِ وَدُخُولِهِ عَلَى خَدِيجَةَ، وَفِيهِ: "فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، فَقَالَتْ لَهُ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا" الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: "وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ" فَفِي هَذَا أَنَّ الْوَحْيَ تَتَابَعَ فِي حَيَاةِ وَرَقَةَ، وَأَنَّهُ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَقَالَ: "أَبْصَرْتُهُ فِي بُطْنَانِ الْجَنَّةِ عَلَيْهِ سُنْدُسٌ" لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، وَقَالَ الْبَزَّارُ: "عَلَيْهِ حُلَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ" وَرَوَى الْبَزَّارُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَسُبُّوا وَرَقَةَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ لَهُ جَنَّةً أَوْ جَنَّتَيْنِ" وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَقَدْ ذَكَرَ وَرَقَةَ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، وَقَالَ: "اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهِ" انْتَهَى. وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية