الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح رَبِيعَةُ الرَّأْيِ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أُسْتَاذُ مَالِكٍ : قِيلَ : إِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُرِكَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ . التقييد والإيضاح 258 - قَوْلُهُ: (رَبِيعَةُ الرَّأْيِ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أُسْتَاذُ مَالِكٍ : قِيلَ : إِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُرِكَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ) انْتَهَى. وَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَغَيُّرِ رَبِيعَةَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ بِاخْتِلَاطٍ وَلَا ضَعْفٍ، إِلَّا أَنَّ النَّبَاتِيَّ أَوْرَدَهُ فِي (ذَيْلِ الْكَامِلِ) وَقَالَ: إِنَّ الْبُسْتِيَّ -وَهُوَ ابْنُ حِبَّانَ- ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ، مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِ رَبِيعَةَ لِابْنِ شِهَابٍ: "إِنَّ حَالِي لَيْسَتْ تُشْبِهُ حَالَكَ، أَنَا أَقُولُ بِرَأْيٍ، مَنْ شَاءَ أَخَذَهُ". وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ رَبِيعَةَ هَذَا فِي (التَّارِيخِ الْكَبِيرِ) وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي (الطَّبَقَاتِ) بَعْدَ تَوْثِيقِهِ: "كَانُوا يَتَّقُونَهُ لِمَوْضِعِ الرَّأْيِ" قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (التَّمْهِيدِ): "وَقَدْ ذَمَّهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِاعْتِرَافِهِ فِي الرَّأْيِ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ". قَالَ: "وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُ يُوجَدُ لَهُ بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ فِيهِ". وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ (جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَالِكٍ قَالَ: "قَالَ لِي ابْنُ هُرْمُزَ: لَا تُمْسِكْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ مِنِّي مِنْ هَذَا الرَّأْيِ، فَإِنَّمَا افْتَجَرْتُهُ أَنَا وَرَبِيعَةُ، فَلَا تَتَمَسَّكْ بِهِ" وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا فِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ قَالَ: "الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّأْيَ ثَلَاثَةٌ، وَكُلُّهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ سَبَايَا الْأُمَمِ، وَهُمْ رَبِيعَةُ بِالْمَدِينَةِ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَفُلَانٌ بِالْكُوفَةِ". قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ فِي (التَّارِيخِ الْكَبِيرِ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى اللَّيْثِ قَالَ: "رَأَيْتُ رَبِيعَةَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا حَالُكَ؟ فَقَالَ: صِرْتُ إِلَى خَيْرٍ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أُحْمَدْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا خَرَجَ مِنِّي مِنَ الرَّأْيِ" انْتَهَى. فَهَذَا كَمَا تَرَاهُ إِنَّمَا تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، لَا مِنَ اخْتِلَاطِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ غَيْرَ ابْنِ الصَّلَاحِ. عَلَى أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ قَدْ بَرَّأُوهُ مِنَ الرَّأْيِ: فَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ! تَقُولُونَ: رَبِيعَةُ الرَّأْيِ! وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْفَظَ لِسُنَّةٍ مِنْهُ". وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (التَّمْهِيدِ) قَالَ: "كَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَجْلِسُ إِلَى رَبِيعَةَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ رَبِيعَةَ الْوَفَاةُ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَا أَبَا عُثْمَانَ! إِنَّا قَدْ تَعَلَّمْنَا مِنْكَ، وَرُبَّمَا جَاءَنَا مَنْ يَسْتَفْتِينَا فِي الشَّيْءِ لَمْ نَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا، فَتَرَى أَنَّ رَأْيَنَا لَهُ خَيْرٌ مِنْ رَأْيِهِ لِنَفْسِهِ فَنُفْتِيهِ؟ فَقَالَ رَبِيعَةُ: أَجْلِسُونِي، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ! لَأَنْ تَمُوتَ جَاهِلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِي شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا، لَا، لَا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ".

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية