الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح وَمِمَّنْ بَلَغَنَا عَنْهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ الْجُرْجَانِيُّ ، وَأَبُو طَاهِرٍ حَفِيدُ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَرْذَعِيُّ ثُمَّ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي مُعْجَمِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُمَا اخْتَلَطَا فِي آخِرِ عُمُرِهِمَا . التقييد والإيضاح 266 - قَوْلُهُ: (وَمِمَّنْ بَلَغَنَا عَنْهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ الْجُرْجَانِيُّ ، وَأَبُو طَاهِرٍ حَفِيدُ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَرْذَعِيُّ ثُمَّ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي مُعْجَمِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُمَا اخْتَلَطَا فِي آخِرِ عُمُرِهِمَا ) انْتَهَى. وَأَمَّا الْغِطْرِيفِيُّ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِيمَنِ اخْتَلَطَ غَيْرَ مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَرْذَعِيِّ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ فِي (تَارِيخِ جُرْجَانَ) فَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَعْرِفُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أَحَدُ شُيُوخِ حَمْزَةَ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي (صَحِيحِهِ) إِلَّا أَنَّهُ دَلَّسَ اسْمَهُ فَقَالَ مَرَّةً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَامِدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، وَقَالَ مَرَّةً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْقَسِيُّ، وَقَالَ مَرَّةً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرْدِيُّ، وَقَالَ مَرَّةً: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغَوِيُّ، وَقَالَ مَرَّةً: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ، وَنِسْبَتُهُ الْغِطْرِيفِيُّ إِلَى أَحَدِ أَجْدَادِهِ، فَإِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ السَّرِيِّ بْنِ الْغِطْرِيفِ الْغِطْرِيفِيُّ الْجُرْجَانِيُّ الرِّبَاطِيُّ، وَلَمْ يُدَلِّسْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ لِضَعْفِهِ وَلَكِنْ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي مَرْتَبَةِ شُيُوخِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَكَانَ نَازِلًا فِي مَنْزِلِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَتُوُفِّيَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَبْلَهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فِي غُرَّةِ شَهْرِ رَجَبٍ، وَتَأَخَّرَ الْغِطْرِيفِيُّ سِتَّ سِنِينَ، فَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ أَيْضًا؛ فَلِذَلِكَ أَبْهَمَ نَسَبَهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ لِلْغِطْرِيفِيِّ تَغَيُّرٌ فَهُوَ بَعْدَ مَوْتِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَآخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْغِطْرِيفِيِّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ أَيْضًا سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ التَّغَيُّرِ إِنْ كَانَ حَصَلَ لَهُ تُغَيُّرٌ؛ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ رَحَلَ إِلَى جُرْحَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِي حَيَاةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَقَدِمَهَا يَوْمَ خَمِيسٍ، فَاشْتَغَلَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَأَرَادَ الِاجْتِمَاعَ بِالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالسَّمَاعَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ أَبُو سَعْدٍ: إِنَّهُ شَرِبَ دَوَاءً لِمَرَضٍ حَصَلَ لَهُ، فَتَعَالَ غَدًا لِلسَّمَاعِ عَلَيْهِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ السَّبْتِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِلْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ لُقِيُّ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَسَمِعَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنَ الْغِطْرِيفِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ نَازِلًا فِي مَنْزِلِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. وَلَمْ يَذْكُرِ الذَّهَبِيُّ فِي (الْمِيزَانِ) الْغِطْرِيفِيَّ فِيمَنْ تَغَيَّرَ، وَلَكِنْ ذَكَرَ السَّمْعَانِيُّ فِي (الْأَنْسَابِ) أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى الْغِطْرِيفِيِّ حَدِيثًا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ. قَالَ السَّمْعَانِيُّ: وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ ابْنَ صَاعِدٍ وَابْنَ مُظَفَّرٍ أَفَادَا عَنِ الصُّوفِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ: "وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ أَصْلَهُ". قَالَ: "وَقَدْ حَدَّثَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الصُّوفِيِّ". قَالَ: السَّمْعَانِيُّ: "وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ حَدَّثَ بِمُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنِ ابْنِ شِيرَوَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْأَصْلِ الَّذِي سَمِعَ فِيهِ". وَقَالَ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ: "سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الرَّزْجَاهِيُّ يَقُولُ: رَأَيْتُ سَمَاعَ الْغِطْرِيفِيِّ فِي جَمِيعِ كِتَابِ ابْنِ شِيرَوَيْهِ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَثَمَّ آخَرُ يُوَافِقُ الْغِطْرِيفِيَّ فِي الِاسْمِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَبَلَدِهِ، وَتَقَارَبَا أَيْضًا فِي اسْمِ الْجَدِّ، وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ، وَقَدِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اشْتَبَهَ الْغِطْرِيفِيُّ بِهِ، وَاسْمُ الْغِطْرِيفِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْجُرْجَانِيُّ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْمُ الْآخَرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْحَاكِمُ فِي (تَارِيخِ نَيْسَابُورَ) اخْتِلَاطَ هَذَا، فَقَالَ: "وَلَقَدْ سَافَرَ مَعِي وَسَبَرْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مَا اتَّهَمْتُهُ فِي الْحَدِيثِ قَطُّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ بِآخِرَةٍ، وَخَلَطَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ، وَيَنْتَقِمُ مِمَّنْ أَفْسَدَ عِلْمَهُ، وَتُوُفِّيَ عَشِيَّةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ". وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فَقَدْ بَيَّنَ الْحَاكِمُ فِي (تَارِيخِ نَيْسَابُورَ) مُدَّةَ اخْتِلَاطِهِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ مَرِضَ وَتَغَيَّرَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ؛ فَإِنِّي قَصَدْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَوَجَدْتُهُ لَا يَعْقِلُ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ، وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِ مِائَةٍ" انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مُدَّةُ اخْتِلَاطِهِ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، أَوْ مَعَ زِيَادَةِ بَعْضِ شَهْرٍ آخَرَ. وَأَمَّا نَقْلُ صَاحِبِ (الْمِيزَانِ) عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ فَنَقْلٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ. وَهَكَذَا قَالَ فِي (الْعِبَرِ): "اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ فَتَجَنَّبُوهُ" قَالَ فِي (الْمِيزَانِ): "مَا عَرَفْتُ أَحَدًا سَمِعَ مِنْهُ أَيَّامَ عَدَمِ عَقْلِهِ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية