الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 2490 [ 1449 ] وَعَنْ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: أَرَادَ عُثْمَانُ أَنْ يَتَبَتَّلَ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 1 \ 175 )، وَالْبُخَارِيُّ (5073)، وَمُسْلِمٌ (1402)، وَالتِّرْمِذِيُّ (1083)، وَالنَّسَائِيُّ ( 6 \ 58 )، وَابْنُ مَاجَهْ (1848). المفهم وَ (قَوْلُهُ: رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ التَّبَتُّلَ ) وَهُوَ هُنَا: الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّسَاءِ. وَأَصْلُهُ: الِانْقِطَاعُ مُطْلَقًا. يُقَالُ: بَتَلَ إِلَى كَذَا؛ أَيِ: انْقَطَعَ إِلَيْهِ. وَتَبَتَّلَ عَنْ كَذَا؛ أَيِ: انْقَطَعَ عَنْهُ. وَمِنْهُ: تَبَتَّلْتُ الْأَمْرَ. وَالْبَتْلَةُ وَالْعَذْرَاءُ: الْبَتُولُ؛ أَيِ: الْمُنْقَطِعَةُ عَنِ الرَّجُلِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرَدُّ التَّبَتُّلِ: عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ، وَلَمْ يُجِزْهُ لَهُ؛ كَمَا قَالَ: (لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ: لَا تَبَتُّلَ. وَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا ). قَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الْخِصَاءَ هُوَ شَقُّ الْخُصْيَتَيْنِ وَانْتِزَاعُهُمَا. وَقَدْ يُقَالُ: مِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّبَتُّلِ عَنِ النِّسَاءِ جَوَازُ الِاخْتِصَاءِ؟ وَهُوَ قَطْعُ عُضْوَيْنِ شَرِيفَيْنِ بِهِمَا قِوَامُ النَّسْلِ، وَفِي قَطْعِهِمَا أَلَمٌ عَظِيمٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَضَرَرٌ عَظِيمٌ رُبَّمَا يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْهَلَاكِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْجَوَابُ: إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُطْلَقَ التَّبَتُّلِ يَتَضَمَّنُهُ، وَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ: أَنَّ التَّبَتُّلَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي تُؤْمَنُ مَعَهُ شَهْوَةُ النِّسَاءِ هُوَ الْخِصَاءُ. فَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ. وَقَوْلُكُمْ: هُوَ أَلَمٌ عَظِيمٌ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ مُغْتَفَرٌ فِي جَنْبِ صِيَانَةِ الدِّينِ، فَقَدْ يُغْتَفَرُ الْأَلَمُ الْعَظِيمُ فِي جَنْبِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، كَقَطْعِ الْيَدِ لِلْأَكَلَةِ، وَكَالْكَيِّ، وَالْبَطِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُكُمْ: هُوَ مُفْضٍ إِلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا، غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ نَقُولُ: وُقُوعُ الْهَلَاكِ مِنْهُ نَادِرٌ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَخِصَاءُ الْبَهَائِمِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرٌ مَا وَقَعَ لِسَعْدٍ ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ، بَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ: (لَاخْتَصَيْنَا)، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَعْدٌ : لَمَنَعْنَا أَنْفُسَنَا مِنَ النِّسَاءِ مَنْعَ الْمُخْتَصِي. وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَسَهْلٍ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ التَّزْوِيجَ أَفْضَلُ مِنَ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ. وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لِمَا كَانَ النِّسَاءُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعُونَةِ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَقِلَّةِ الْكُلَفِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالْحُنُوِّ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأَزْوَاجِ. وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالنِّسْوَانِ. فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ حَلَّتِ الْعُزْبَةُ وَالْعُزْلَةُ، بَلْ وَتَعَيَّنَ الْفِرَارُ مِنْ فِتْنَتِهِنَّ، وَالرِّحْلَةُ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية