الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              2816 [ 1610 ] وعنه قال: رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم.

                                                                                              وقال عبيد الله بن عمر، إن أباه كان يشتري الطعام جزافا فيحمله إلى أهله.


                                                                                              رواه أحمد ( 2 \ 7 )، والبخاري (2131)، ومسلم (1527) (37 و 38)، والنسائي ( 7 \ 287 ).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و ( قول ابن عمر رضي الله عنهما: (كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله ) وفي الأخرى: ( جزافا - وأنهم كانوا - يضربون في أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم ) دليل لمن سوى بين الجزاف في المكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض، [ ص: 378 ] ورأى: أن قبض الجزاف نقله. وبه قال الكوفيون، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد ، وداود . وهم على أصولهم في منعه في كل شيء إلا ما استثني حسب ما تقدم، وحمل مالك رحمه الله هذه الأحاديث على الأولى والأحب، فلو باع الجزاف قبل نقله جاز؛ لأنه بنفس تمام العقد، والتخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه، ولدليل الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم: (من ابتاع طعاما بكيل) وما في معناه. وإلى جواز ذلك صار البتي ، وسعيد بن المسيب ، والحسن ، والحكم ، والأوزاعي ، وإسحاق على أصولهم.

                                                                                              فرع: ألحق مالك رحمه الله بيع الطعام قبل قبضه بسائر عقود المعاوضات كلها، فمن حصل له طعام بوجه معاوضة؛ كأخذه في صلح من دم، أو مهر، فلا يجوز له بيعه قبل قبضه. واستثنى من ذلك الشركة والتولية، والإقالة. وقد روي عنه منعه في الشركة. ووافقه الشافعي ، وأبو حنيفة في الإقالة خاصة.

                                                                                              قلت: والذي أوجب استثناء هذه الأربعة العقود عند مالك أنها عقود؛ المقصود بها: المعروف، والرفق، لا المشاركة، والمكايسة، فأشبهت القرض. وأولى من هذا: مرسلان صحيحان، مشهوران:

                                                                                              أحدهما: قال سعيد بن المسيب في حديث ذكره - كأنه عن النبي صلى الله عليه وسلم -: لا بأس [ ص: 379 ] بالتولية، والإقالة، والشرك في الطعام قبل أن يستوفى . ذكره أبو داود وقال: هذا قول أهل المدينة .

                                                                                              وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا مستفاضا بالمدينة قال: ( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه، ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله ).

                                                                                              قلت: وينبغي للشافعي ، وأبي حنيفة أن يعملا بهذين المرسلين. أما الشافعي : فقد نص على أنه يعمل بمراسيل سعيد . وأما أبو حنيفة : فإنه يعمل بالمراسيل مطلقا، كمالك .




                                                                                              الخدمات العلمية