الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              2612 [ 1503 ] وعن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضر أولادهم".

                                                                                              وفي رواية: ثم سألوه عن العزل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك الوأد الخفي".

                                                                                              رواه مسلم (1442) (140) و (141)، وأبو داود (3882)، والترمذي (2078)، والنسائي ( 6 \ 106 - 107).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و ( جدامة الأسدية ) رويناه بالدال المهملة. وهكذا قاله مالك ، وهو الصواب. قال أبو حاتم : الجدامة: ما لم يندق من السنبل. قال غيره: هو ما يبقى في الغربال من نصية. وقال غير مالك بالذال المنقوطة. وهو من: الجذم؟ الذي هو القطع. وهي: جدامة بنت وهب بن محصن الأسدية، تكنى: أم قيس؛ وهي ابنة أخي عكاشة بن محصن . أسلمت عام الفتح.

                                                                                              و (قوله: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ) - بكسر الغين لا غير - وهي [ ص: 174 ] الاسم من الغيل. وإذا دخلت عليه الهاء فليس إلا الكسر، وإذا حذفت الهاء فليس إلا الفتح في الغين. وقال بعضهم: يقال: الغيلة - بالفتح - للمرة الواحدة من الغيل. وللغويين في تفسيرها قولان:

                                                                                              أحدهما: أن الغيلة هي: أن يجامع الرجل امرأته وهي ترضع. حكي معناه عن الأصمعي . يقال منه: غال الرجل المرأة، وأغالها، وأغيلها.

                                                                                              وثانيهما: أنها أن ترضع المرأة وهي حامل. يقال منه: غالت، وأغالت، وأغيلت؛ قاله ابن السكيت .

                                                                                              قلت: والحاصل: أن كل واحد منهما يقال عليه: (غيلة) في اللغة، وذلك: أن هذا اللفظ كيفما دار إنما يرجع إلى الضرر، والهلاك؛ ومنه تقول العرب: غالني أمر كذا؛ أي: أضر بي. وغالته الغول؛ أي: أهلكته. وكل واحدة من الحالتين المذكورتين مضرة بالولد. ولذلك يصح أن تحمل الغيلة في الحديث على كل واحد منهما.

                                                                                              فأما ضرر المعنى الأول: فقالوا: إن الماء - يعني: المني - يغيل اللبن؛ أي: يفسده. ويسأل عن تعليله أهل الطب.

                                                                                              وأما الثاني: فضرره بين محسوس. فإن لبن الحامل داء وعلة في جوف الصبي، يظهر أثره عليه. ومراده صلى الله عليه وسلم بالحديث: المعنى الأول، دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضر الولد؛ حتى احتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظر إلى أحوال غير العرب؛ الذين يصنعون ذلك. فلما رأى أنه لا يضر أولادهم لم ينه عنه.

                                                                                              وأما الثاني: فضرره معلوم للعرب وغيرهم، بحيث لا يحتاج إلى نظر، ولا فكر.

                                                                                              وإنما هم النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الغيلة لما أكثرت العرب من اتقاء ذلك، [ ص: 175 ] والتحدث بضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه.

                                                                                              وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أسماء ابنة يزيد ، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقتلوا أولادكم سرا؛ فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه). ذكره ابن أبي شيبة . ثم لما حصل عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يضر أولاد العجم ؛ سوى بينهم وبين العرب في هذا المعنى، فسوغه. فيكون حجة لمن قال من الأصوليين: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم بالرأي والاجتهاد. وقد تقدم ذلك.




                                                                                              الخدمات العلمية