الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              4834 [ 2614 ] وعنه ; قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة ، فمر على جبل يقال له جمدان . فقال : سيروا ، هذا جمدان ، سبق المفردون ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات .

                                                                                              رواه أحمد (2 \ 323) ، ومسلم (2676) ، والترمذي (3596) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله : " هذا جمدان ") هو بضم الجيم وسكون الميم ، وهو جبل بين قديد وعسفان من منازل أسلم .

                                                                                              و (قوله : " سبق المفردون ") قال القاضي : ضبطته عن متقني شيوخنا بفتح الفاء وكسر الراء . قال الهروي : قال أبو العباس عن ابن الأعرابي : فرد الرجل : إذا تفقه واعتزل الناس ، وخلا بمراعاة الأمر والنهي . وقال الأزهري : هم المتخلقون من الناس بذكر الله تعالى . وقد فسرهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " . وقال في غير كتاب مسلم : " هم المستهترون بذكر الله تعالى ، يضع عنهم الذكر أوزارهم ، فيردون يوم القيامة خفافا " . وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول عقيب قوله : "هذا جمدان ، لأن جمدان جبل منفرد بنفسه هنالك ، ليس بحذائه جبل مثله ، فكأنه تفرد هناك فذكره بهؤلاء المفردين . والله أعلم . وهؤلاء القوم سبقوا في الدنيا إلى الأحوال السنية ، وفي الآخرة إلى المنازل العلية .

                                                                                              و (قوله : " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ") هذه الكثرة المذكورة هنا هي [ ص: 10 ] المأمور بها في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [ الأحزاب : 41] وهذا المساق يدل على أن هذا الذكر الكثير واجب ، ولذلك لم يكتف بالأمر حتى أكده بالمصدر ، ولم يكتف بالمصدر حتى أكده بالصفة ، ومثل هذا لا يكون في المندوب . وظهر أنه ذكر كثير واجب ، ولا يقول أحد بوجوب الذكر باللسان دائما ، وعلى كل حال ، كما هو ظاهر هذا الأمر ، فتعين أن يكون ذكر القلب ، كما قاله مجاهد . وقاله ابن عباس - رضي الله عنهما - : ليس شيء من الفرائض إلا وله حد ينتهي إليه ، إلا ذكر الله " ولم يقل هو ولا غيره - فيما علمناه - أن ذكر الله باللسان ، يجب على الدوام ، فلزم أنه ذكر القلب ، وإذا ثبت ذلك ، فذكر القلب لله تعالى ، إما على جهة الإيمان والتصديق بوجوده ، وصفات كماله وأسمائه ، فهذا يجب استدامته بالقلب ذكرا أو حكما في حال الغفلة ; لأنه لا ينفك عنه إلا بنقيضه ، وهو الكفر . والذكر الذي ليس راجعا إلى الإيمان : هو ذكر الله عند الأخذ في الأفعال ، فيجب على كل مكلف ألا يقدم على فعل من الأفعال ، ولا قول من الأقوال - ظاهرا ولا باطنا - إلا حتى يعرف حكم الله في ذلك الفعل ; لإمكان أن يكون الشرع منعه منه ، فإما على طريق الاجتهاد إن كان مجتهدا ، أو على طريق التقليد إن كان غير مجتهد ، ولا ينفك المكلف عن فعل أو قول دائما ، فذكر الله يجب عليه دائما ، ولذلك قال بعض السلف : اذكر الله عند همك إذا هممت ، وحكمك إذا حكمت ، وقسمك إذا قسمت ، وما عدا هذين الذكرين لا يجب استدامته ولا كثرته . والله أعلم .




                                                                                              الخدمات العلمية