الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ يَأْلَفُ نَوْعًا مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَإِذَا أَتَاهُ الْعِلْمُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ قَبِلَهُ، وَإِذَا أَتَاهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ، لَمْ يَقْبَلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ الثَّانِي أَصَحَّ وَأَقْرَبَ، كَمَنْ تَعَوَّدَ أَنْ يَحُجَّ مِنْ طَرِيقٍ بَعِيدَةٍ مُعَطِّشَةٍ مَخُوفَةٍ، وَهُنَاكَ طُرُقٌ أَقْرَبُ مِنْهَا آمِنَةٌ وَفِيهَا الْمَاءُ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْتَدْهَا نَفَرَتْ نَفْسُهُ عَنْ سُلُوكِهَا. وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي فِيهَا دِقَّةٌ وَغُمُوضٌ وَخَفَاءٌ، قَدْ يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ تَعَوَّدَتْ نَفْسُهُ الْفِكْرَةَ فِي الْأُمُورِ الدَّقِيقَةِ، وَمَنْ يَكُونُ تَلَقِّيهِ لِلْعِلْمِ عَنِ الطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَا يَفْهَمُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ تَلَقِّيهِ لَهُ مِنَ الطُّرُقِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي يَشْرَكُهُ فِيهَا الْجُمْهُورُ. وَمَثَلُ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ، وَالْمَلَابِسِ وَالْعَادَاتِ، لِمَا فِي النُّفُوسِ مِنْ حُبِّ الرِّيَاسَةِ. فَهَذِهِ الطُّرُقُ الطَّوِيلَةُ الْغَامِضَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَقْسِيمَاتٍ، أَوْ تَلَازُمَاتٍ، أَوْ إِدْرَاجُ جُزَيْئَاتٍ تَحْتَ كُلِّيَّاتٍ، قَدْ يُنْتَفِعُ بِهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي حَقِّ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاظِرَيْنِ وَالْمُنَاظِرِينَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ وَالْأَذْهَانِ الْمُسْتَقِيمَةِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، بَلْ إِذَا ذُكِرَتْ عِنْدَهُ مَجَّهَا سَمْعُهُ، وَنَفَرَ عَنْهَا عَقْلُهُ، وَرَأَى الْمَطْلُوبَ أَقْرَبُ وَأَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى هَذَا، فَإِنَّ عِلْمَ الْعُقُولِ بِافْتِقَارِ الْمُحْدَثُ إِلَى مُحْدِثٍ، أَبْيَنُ وَأَظْهَرُ مِنْ عِلْمِ الْعُقُولِ بِأَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ بِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصِّصٍ، وَمَنْ تَصَوَّرَ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ حَقَّ التَّصَوُّرِ، لَمْ يُمْكِنْهُ - مَعَ الشَّكِّ فِي الْأُولَى - أَنْ يَجْزِمَ بِالثَّانِيَةِ، بَلْ قَدْ لَا يَتَصَوَّرُ إِحْدَاهُمَا حَقَّ التَّصَوُّرِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لِمَنْ صَدَّقَ بِالثَّانِيَةِ: لِمَ قُلْتُ: إِنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُقَدَّمٍ وَمُؤَخِّرٍ؟ رَجَعَ إِلَى فِطْرَتِهِ السَّلِيمَةِ وَحَكَمَ بِذَلِكَ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَقُولَ: الْأَشْيَاءُ الْمُتَسَاوِيَةُ لَا يَتَرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَا قُلْتَ ذَلِكَ؟ وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَجَّحَ هَذَا عَلَى هَذَا إِلَّا بِمُرَجِّحٍ أَصْلًا؟ وَيَخْتَصُّ بِمَا اخْتَصَّ بِهِ لَا لِمُخَصِّصٍ أَصْلًا؟ لَكَانَ إِنْكَارُهُ لِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ، دُونَ إِنْكَارِهِ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ لَا تَحْدُثُ إِلَّا بِمُحْدِثٍ؟ وَهَذَا التَّأْلِيفَاتُ وَالتَّرْكِيبَاتُ الْحَادِثَةُ كَانَتْ، بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، لَا بِمُؤَلِّفٍ وَلَا مُرَكِّبٍ، فَإِنَّ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ الْحَادِثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، هُوَ نَوْعٌ مِنْ حُدُوثِ الْحَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ، فَإِنْ سَوَّغَ الْعَقْلُ حُدُوثَ حَادِثٍ بِلَا مُحْدِثٍ، سَوَّغَ أَنْ يَحْدُثَ أَحَدُ الْمِثْلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، بِلَا مُخَصِّصٍ لِحُدُوثِهِ. وَهَلْ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْحَادِثَيْنِ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، أَوْ شَكْلٍ دُونَ شَكْلٍ، أَوْ وَصْفٍ دُونَ وَصْفٍ، إِلَّا نَوْعٌ مِنْ حُدُوثِ حَادِثٍ؟ فَإِنَّ الصِّفَاتِ وَالْأَشْكَالَ حَوَادِثُ، وَالتَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ إِضَافَةٌ لِلْحَوَادِثِ إِلَى وَقْتِهَا، فَهُوَ صِفَةٌ فِي الْحُدُوثِ، كَإِضَافَةِ الْحَادِثِ إِلَى مَكَانِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَفِطْرَتِهِ السَّلِيمَةِ، أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، مُخَصِّصٍ، فَاعِلٍ، مُؤَلِّفٍ، سِوَاهُ. وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجِ الْأَشْعَرِيُّ إِلَى أَنْ يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا، كَمَا فَعَلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَتْبَاعُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَعَلَ كَمَا فَعَلُوا، وَلَعَلَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ عِنَادِ الْمُنَاظِرِينَ أَوْ جَهْلِهِمْ، فَسَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ الْبَعِيدَةَ لَمَّا لَمْ يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الْقَرِيبَةَ، لَا لِأَنَّهُ عِنْدَهُ يَحْتَاجُ إِلَى الطَّرِيقِ الْبَعِيدَةِ. وَلِهَذَا لَا تُوجَدُ هَذِهِ الطَّرِيقُ الْبَعِيدَةُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَلَا ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ تَضْيِيعِ الزَّمَانِ، وَإِتْعَابِ الْحَيَوَانِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ. وَالْقُرْآنُ لَا يُذْكَرُ فِيهِ مُخَاطَبَةُ كُلِّ مُبْطِلٍ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَلَا ذُكِرَ كُلُّ مَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ مِنَ الشُّبَهَاتِ وَجَوَابِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا يَنْضَبِطُ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْحَقُّ وَالْأَدِلَّةُ الْمُوصِلَةُ إِلَيْهِ لِذَوِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ، ثُمَّ إِذَا اتَّفَقَ مُعَانِدٌ أَوْ جَاهِلٌ، كَانَ مَنْ يُخَاطِبُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مُخَاطِبًا لَهُ بِحَسِبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْمُصْلِحَةُ، كَمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجَمَةِ أَحْيَانًا وَكَمَا قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية