الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ سِينَا وَأَمْثَالَهُ كَانُوا خَيْرًا فِيهَا مِنَ الرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا. وَالرَّازِيُّ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْآمِدِيِّ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهَذَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ – طَرِيقَةَ ابْنِ سِينَا وَمَنِ اتَّبَعَهُ كَالرَّازِيِّ وَنَحْوِهِ - طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ بَاطِلَةً؟! كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودٍ وَاجِبٍ ثَابِتٍ فِي الْخَارِجِ، مُغَايِرٍ لِلْمُمْكِنِ أَصْلًا. وَلَوْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَدُلْ عَلَى أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِلْأَفْلَاكِ وَنَحْوِهَا. وَلِهَذَا كَانَ مَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُثْبِتَ بِهَا الصَّانِعَ، وَلَوْ أَثْبَتَ بِهَا الصَّانِعَ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَجْعَلَهُ شَيْئًا غَيْرَ الْأَفْلَاكِ، فَضْلًا عَمَّا يَدَّعُونَهُ مِنْ نَفْيِ التَّرْكِيبِ، الَّذِي جَعَلُوهُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ. وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ بَنَوْا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ عَلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَأَنَّ الْمُمْكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ، فَاحْتَاجُوا إِلَى شَيْئَيْنِ: إِلَى حَصْرِ الْقِسْمَةِ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ، وَأَنَّ الْمُمْكِنَ يَسْتَلْزِمُ الْوَاجِبَ. وَلَفْظُ (الْوَاجِبِ) فِيهِ إِجْمَالٌ. قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَوْجُودُ بِنَفَسِهِ الَّذِي لَا فَاعِلَ لَهُ، فَتَدْخُلُ فِيهِ - إِذَا كَانَ ذَاتًا مَوْصُوفَةً بِالصِّفَاتِ - ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ. وَيُرَادُ بِهِ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ مَعَ ذَلِكَ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الذَّاتُ دُونَ الصِّفَاتِ. وَيُرَادُ بِهِ الْمُبْدِعُ لِلْمُمْكِنَاتِ، فَلَا تَدَخْلُ فِيهِ إِلَّا الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِالصِّفَاتِ. وَيُرَادُ بِهِ شَيْءٌ مُنْفَرِدٌ، لَيْسَ بِصِفَةٍ وَلَا مَوْصُوفٍ. فَهَذَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ، وَلَمْ يَفْهَمُوا دَلِيلًا عَلَى وُجُودِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ. فَإِذَا قَالُوا: نَعْنِي بِالْوَاجِبِ مَا لَا تَقْبَلُ ذَاتُهُ الْعَدَمَ، وَبِالْمُمْكِنِ مَا تَقْبَلُ ذَاتُهُ الْعَدَمَ. قِيلَ لَهُمْ: أَثْبِتُوا وُجُودَ مُمْكِنٍ تَقْبَلُ ذَاتُهُ الْعَدَمَ لِتَحْتَاجَ إِلَى الْوَاجِبِ. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ لَمْ يُثْبِتُوهُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ الْحَوَادِثِ، الَّتِي تَكُونُ مَوْجُودَةً تَارَةً وَمَعْدُومَةً أُخْرَى. وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْحَوَادِثَ مَشْهُودَةٌ، وَافْتِقَارُهَا إِلَى الْمُحْدِثِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُثْبِتُ وُجُودَ قَدِيمٍ أَحْدَثَ الْحَوَادِثَ. وَالْمُمْكِنُ عِنْدَهُمْ يَتَنَاوَلُ مَا يَكُونُ قَدِيمًا وَمُحْدَثًا، فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ عِنْدَهُمْ يَكُونُ مُمْكِنًا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ. وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ ابْنُ سِينَا وَاتَّبَعَهُ هَؤُلَاءِ، وَخَالَفُوا بِهِ جَمِيعَ الْعُقَلَاءِ حَتَّى أَرِسْطُو وَأَصْحَابَهُ، وَحَتَّى خَالَفُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَنَاقَضُوا، فَإِنَّ ابْنَ سِينَا وَأَتْبَاعَهُ صَرَّحُوا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِأَنَّ الْمُمْكِنَ، الَّذِي يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُحْدَثًا، لَا يَكُونُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، وَأَنَّ مَا كَانَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، لَمْ يَكُنْ إِلَّا وَاجِبًا ضَرُورِيًّا يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ. فَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ، وَإِنْ قُدِّرَ صِحَّتُهُ، فَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ وَنَظَرٍ دَقِيقٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ الصَّانِعِ لِلْمُمْكِنَاتِ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ، قَدْ يَكُونُ مُمْكِنًا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، فَهُمْ يَقُولُونَ: إِذَا أَثْبَتْنَا قَدِيمًا نَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نُثْبِتَ أَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ لَا مُمْكِنَ الْوُجُودِ، لِأَنَّ الْقَدِيمَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الرَّازِيِّ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ "كَالْأَرْبَعِينَ" وَ"نِهَايَةِ الْعُقُولِ" وَ"الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ" وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِهِ. فَهَؤُلَاءِ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَثْبَتُوا وَاجِبَ الْوُجُودِ، الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْمُمْكِنِ عِنْدَهُمْ، وَالْمُمْكِنُ عِنْدَهُمْ يَتَنَاوَلُ الْقَدِيمَ وَالْحَادِثَ، لَمْ يُمْكِنْهُمْ إِثْبَاتُ هَذَا الْوَاجِبِ إِلَّا بِإِثْبَاتِ مُمْكِنٍ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ. وَهَذَا لَا يُمْكِنُهُمْ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ الْحَادِثِ، الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا تَارَةً مَعْدُومًا أُخْرَى. وَالْحَادِثُ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْقَدِيمِ، وَالْقَدِيمُ عِنْدَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ، فَهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا: لَا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَلَا مُمْكِنَ الْوُجُودِ، الَّذِي بِهِ يُثْبَتُ وَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي ادَّعَوْهُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية