الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَجُمْهُورُ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ يُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَحُدُوثِهِ يُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ. وَالْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونَا مَخْلُوقَتَيْنِ، لَا يَتَوَقَّفُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ، بَلْ وَيَقُولُونَ: إِنَّ إِثْبَاتَ خَلْقِهِمَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا مَعَ نَقِيضِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ. بَلْ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ هُوَ الْقَدِيمُ وَحْدَهُ وَمَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمِلَلِ. وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُ أَئِمَّتُهُمْ: إِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ، بَلْ لَا تَثْبُتُ إِلَّا مَعَ نَقِيضِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِإِبْطَالِهَا. وَيَقُولُونَ: إِنَّ مُوجَبَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ قَدِيمٌ، مَعَ أَنَّ هَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْحَوَادِثِ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا، فَفِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَسْبِقِ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ، فِيهَا مِنْ مُنَازَعَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَقَدْ يُسَلِّمُ هَذِهِ مَنْ يُنَازِعُ فِي الْأُولَى مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، وَقَدْ يُنَازِعُ فِي هَذِهِ مَنْ لَا يُنَازِعُ فِي الْأُولَى مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ هِيَ الَّتِي جَعَلَهَا الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهَا مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ الْكَرَّامِيَّةِ وَأَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ - أَصْلَ الدِّينِ. ثُمَّ إِنَّ قُدَمَاءَهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا مُسَلَّمَةً، وَيَظُنُّونَهَا ضَرُورِيَّةً، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَادِثَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَوَادِثَ الْمَحْدُودَةَ الَّتِي لَهَا مَبْدَأٌ، وَمَا لَا يَسْبِقُ جِنْسَ الْحَوَادِثِ. فَإِنَّ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَادِثَ الْمُعَيَّنَ أَوِ الْحَوَادِثَ الْمُحَدَّدَةَ الَّتِي لَهَا مَبْدَأٌ، فَهُوَ مُحْدَثٌ بِالضَّرُورَةِ، وَلَا يُنَازِعُ فِي هَذَا عَاقِلٌ. فَإِنَّ مَا كَانَ عَيْنُهُ حَادِثًا فَمَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ مِثْلُهُ بِالضَّرُورَةِ، كَمَا قَرَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا مَعَهُ وَإِمَّا بَعْدَهُ. وَمَا كَانَ مَعَ الْحَادِثِ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ حَادِثٌ بِالضَّرُورَةِ. وَأَمَّا مَا لَا يَسْبِقُ جِنْسَ الْحَوَادِثِ، وَهُوَ مَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُقَارِنُهُ حَادِثٌ بَعْدَ حَادِثٍ وَهَلُمَّ جَرَّا، كَمَا أَنَّهُ يُقَارِنُهُ حَادِثٌ بَعْدَ حَادِثٍ، وَفَانٍ بَعْدَ فَانٍ فِي الْأَبَدِ، فَيُقَدَّرُ لَيْسَ مُتَقَدِّمًا عَلَى جِنْسِ الْحَوَادِثِ، وَلَا مُتَأَخِّرًا عَنْ جِنْسِ الْحَوَادِثِ وَالْفَانِيَاتِ، فَهَذَا مَحَلُّ نِزَاعٍ: نَازَعَهُمْ فِيهِ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَالْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَبِقِدَمِهِ. وَقَدْ رَأَيْتُ فِي كُتُبِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُمْ أَخَذُوا هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ مُسَلَّمَةً، وَجَعَلُوهَا ضَرُورِيَّةً. وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَسْبِقْ عَيْنَ الْحَادِثِ بِمَا لَمْ يَسْبِقْ نَوْعَ الْحَادِثِ. وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَصَارُوا يَنْتَهُونَ فِي أَصْلِ أُصُولِ دِينِهِمُ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ ثَابِتٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَأَنَّهُمْ بِهِ عَرَفُوا وُجُودَ الْخَالِقِ وَصِدْقَ رُسُلِهِ، وَأَنَّهُ بِهِ يَرُدُّونَ عَلَى مَنْ خَالَفَ الْمِلَّةَ، وَبِهِ خَالَفُوا مَا خَالَفُوهُ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَقْوَالِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، إِلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ. وَهِيَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ فِيهِ عُمُومٌ، وَإِطْلَاقُ أَحَدِ نَوْعَيْهِ بَيِّنٌ. فَإِذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ النَّوْعَ الْبَيِّنَ، ظَنُّوا أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ صَارَتْ مَعْلُومَةً ضَرُورِيَّةً، وَالْمَطْلُوبُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِبَيَانِ النَّوْعِ الْآخَرِ، وَهُمْ لَمْ يُبَيِّنُوهُ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لِلْفَاضِلِ الْمُعْتَبِرِ كَيْفَ تَدْخُلُ الشُّبَهَاتُ وَالْبِدَعُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَعْقَلِ النَّاسِ وَأَذْكَاهُمْ وَأَفْضَلِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَعْتَمِدُوا التَّلْبِيسَ لَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَا عَلَى مَنْ يُعَلِّمُونَهُ وَيُخَاطِبُونَهُ، لَكِنِ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، فَوَقَعُوا فِي شُبَهَاتٍ ظَنُّوهَا بَيِّنَاتٍ. وَهَذَا مِمَّا يَعْتَبِرُ بِهِ الْمُسْلِمُ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ الْمَعْصُومِ، الَّذِي عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، إِلَى كَلَامِ مَنْ يُرَوِّجُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ، وَيَغْرَقُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُجْمِلَاتِ، وَلَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ، وَالتَّقْسِيمِ الْمُمَيَّزِ لِلصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ. وَيَعْرِفُ بِهَذَا حِذْقُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، الَّذِينَ ذَمُّوا مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ، وَجَعَلُوهُ مِنَ الْجَهْلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَهْلُهُ الْعُقُوبَةَ وَالِانْتِقَامَ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ ذَكَرُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْكَلَامَ مَعَ مَنْ يَدَّعِي وُجُودَ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَبَحَثُوا مَعَهُ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية