الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النُّفُوسَ إِذَا حَصَلَ لَهَا مُعَلِّمٌ وَمُخَصِّصٌ، حَصَلَ لَهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ نَفْسِ قَابِلَةٌ لِلْعِلْمِ وَإِرَادَةِ الْحَقِّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّعْلِيمِ وَالتَّخْصِيصِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ، لَوْلَا أَنَّ فِي النَّفْسِ قُوَّةً تَقْبَلُ ذَلِكَ. وَإِلَّا فَلَوْ عَلَّمَ الْبَهَائِمَ وَالْجَمَادَاتِ وَحَضَّضَهَا، لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَا يَحْصُلُ لِبَنِي آدَمَ، وَالسَّبَبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْقَوَابِلِ. وَلِهَذَا يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَيَتَفَاوَتُونَ فِي آثَارِهِ فِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحَالِ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْكَلَامِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فِي النُّفُوسِ قُوَّةً تَقْتَضِي الْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ. يَبِينُ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُرَجِّحَ إِذَا حَصَلَ مِنْ خَارِجَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ نَفْسُهُ لَا يُوجِبُ بِنَفْسِهِ حُصُولَ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ فِي النَّفْسِ، إِلَّا بِقُوَّةٍ مِنْهَا تَقْبَلُ ذَلِكَ، وَتِلْكَ الْقُوَّةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى أُخْرَى، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ الَّذِي لَا يَتَنَاهَى بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَنَاهِيَيْنِ، أَوِ الدَّوْرُ الْقَبْلِيُّ، وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ بِالضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي النَّفْسِ قُوَّةً تُرَجِّحُ الدِّينَ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُخَاطَبُ إِنَّمَا عِنْدَهُ تَنْبِيهُهَا عَلَى مَا لَا تَعْلَمُهُ لِتَعْلَمَهُ، أَوْ تَذْكِيرُهَا بِمَا كَانَتْ نَاسِيَةً لِتَذْكُرَهُ، أَوْ تَحْضِيضُهَا عَلَى مَا لَا تُرِيدُهُ لِتُرِيدَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورُ يُمْكِنُ أَنْ تَحْصُلَ بِخَوَاطِرَ فِي النَّفْسِ تَقْتَضِي تَنْبِيهَهَا وَتَذْكِيرَهَا وَتَحْضِيضَهَا. وَاعْتِبَارُ الْإِنْسَانِ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ يُوجِبُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ مَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ يُمْكِنُ أَنْ يَخْطُرَ لَهُ مِثْلُهُ فِي قَلْبِهِ. فَعُلِمَ أَنَّ الْفِطْرَةَ يُمْكِنُ حُصُولُ إِقْرَارِهَا بِالصَّانِعِ وَالْمُحِبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ بِدُونِ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ كَافِيَةً فِي ذَلِكَ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ قَائِمًا فِي النَّفْسِ وَقُدِّرَ عَدَمُ الْمَعَارِضِ، فَالْمُقْتَضِي السَّالِمُ عَنِ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ يَجِبُ مُقْتَضَاهُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَنْ يُفْسِدُهَا كَانَتْ مُقِرَّةً بِالصَّانِعِ، عَابِدَةً لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْخَوَاطِرُ الَّتِي تَخْطُرُ لِلْإِنْسَانِ قَدْ تَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ مِنَ الْأَسْبَابِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَحْصُلُ لَهُ مَنْ يُخَاطِبُهُ دُونَ بَعْضٍ، فَلَيْسُوا مُشْتَرِكِينَ فِي أَسْبَابِ الْخَوَاطِرِ وَالْخِطَابِ. قِيلَ: إِذَا لَمْ تَكُنِ الْخَوَاطِرُ مُتَوَقِّفَةً عَلَى مُخَاطَبٍ مِنْ خَارِجَ، كَانَتِ الْفِطْرَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ هِيَ الْمُقْتَضِيَةَ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَسْبَابٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ مِنْ إِلْهَامِ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهَا ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ تَعَلُّمِ إِنْسَانٍ وَدُعَائِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بَيَانُهُ مِنْ كَوْنِهَا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ، لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ وُجُودُ الْهُدَى لِكُلِّ إِنْسَانٍ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ. وَالْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْمَوْلُودَ يَعْرِضُ لَهُ مَنْ يُغَيِّرُ فِطْرَتَهُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية