الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وقد ذكرنا أن الحيز الوجودي يراد به حد الشيء المتحيز الذي يحوزه، ويراد به شيء منفصل عنه يحوزه، والله سبحانه ليس هو بل ولا غيره من المخلوقات مفتقرا إلى حيز وجودي بالمعنى الثاني. وأما الحيز الوجودي بالمعنى الأول فهذا يجوز أن يفارق المتحيز لا في زمان ولا في مكان ولا وجود إلا إذا فرق ذلك المتحيز، وحينئذ فلا يكون هو إياه مع أن الله سبحانه صمد لا يجوز عليه التفرق والانقسام.

فإن أراد بالغير هذا المعنى كان التقدير لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان مفتقرا في وجوده إلى ما هو لازم لذاته لا يجوز مفارقته له ولا انفصاله عنه، وهكذا حكم جميع الصفات الذاتية، فيكون المعنى كما لو قيل: لو كان له صفة ذاتية لكان مفتقرا إليها افتقار الموصوف إلى الصفة، وهذا من [ ص: 634 ] شبه نفاة الصفات التي يبطلها هذا المؤسس نفسه كما تقدم الكلام عليه. وهذا أحد الوجوه التي ذكرها في حجة نفاة الصفات في نهايته، فقال الثالث أن عالمية الله وقادريته لو كانت لأجل صفات قائمة به لكان الباري محتاجا إلى تلك الصفات لكن الحاجة على الله محال فبطل القول باتصاف ذاته بالصفات. فقوله: لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان مفتقرا في وجوده إلى ذلك. مثل هذه سواء إذا فهم أن الحيز الذي يلزم المتحيز هو أمر لازم له ليس شيئا منفصلا عنه، وأن المتحيز لا يفتقر إلى حيز موجود منفصل عنه بضرورة العقل والحس واتفاق العقلاء، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الحجة غير مرة، وهي مثل قولهم يستلزم التركيب والكثرة الموجبة لافتقاره إلى أجزائه.

[ ص: 635 ] وقد قال هو: قولهم: يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية، فتكون تلك الحقيقة ممكنة. قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم؛ لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها، وإن عنيتم به توقف الصفات المخصوصة في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة، فذلك مما نلتزمه؛ فأين المحال؟!

التالي السابق


الخدمات العلمية