الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
فإن قيل: هذا يبين أن مسألة العلو أظهر في الفطرة والشريعة من مسألة الرؤية، فلأي شيء هؤلاء أقروا بهذه وأنكروا تلك؟

قيل: سببه أن الجهمية كانت متظاهرة بدعوى خلق القرآن وإنكار الرؤية، ولم تكن متظاهرة بإنكار العلو كما تقدم، فكان الذين يناظرونهم من متكلمة إثبات الصفة كأبي سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأصحابهما فظهر من مخالفتهم لهم في هاتين المسألتين بسبب ظهور الخلاف [ ص: 536 ] فيهما ما لا يظهر فيما يخفونه من المسائل، ومع هذا فقد كان أولئك يخالفونهم أيضا في إنكار أن الله فوق العرش كما تقدم ذكره من كلامهم.

لكن لم يأتوا في مناظرتهم بما يقطع مادة التجهم ويقلع عروقه، بل سلموا لهم بعض الأصول التي بنوا عليها التجهم، ومباحثهم في مسألة حدوث العالم والكلام في الأجسام والأعراض هو من الكلام الذي ذمه الأئمة والسلف، حتى قال محمد بن خويز منداد: أهل البدع والأهواء عند مالك [ ص: 537 ] وأصحابه هم أهل الكلام، فكل متكلم في الإسلام فهو من أهل البدع والأهواء، أشعريا كان أو غير أشعري. وذكر ابن خزيمة وغيره أن الإمام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كلاب وعن أصحابه كالحارث، وذلك لما علموه في كلامهم من المسائل والدلائل [ ص: 538 ] الفاسدة، وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف؛ فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة ونحوهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها المعتزلة والرافضة ونحوهم.

فلما كان الأمر كذلك جاء بعض المتأخرين من أتباعهم، فنظروا في الأصول التي وافقوا فيها الجهمية وأخذوا لوازمها، وكان أبو المعالي الجويني كثير المطالعة لكتب أبي [ ص: 539 ] هاشم بن أبي علي الجبائي، وكان من أذكياء العالم، وكان هو وأبو الحسن الأشعري كلاهما تلميذا لأبي علي الجبائي، لكن الأشعري رجع إلى مذهب الأثبات الذين يثبتون الصفات والقدر ويثبتون خروج أهل الكبائر من النار، ولا يكفرون أحدا من أهل الإيمان بذنب ولا يرون القتال في الفتنة، فناقض المعتزلة في أصولهم الخمس التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة التي يسمونها التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما أبو هاشم فكان على هذه الأصول مع أبيه وإن [ ص: 540 ] كان يخالفه في كثير من المسائل.

التالي السابق


الخدمات العلمية