الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
ثم قال: وثنا أحمد بن منيع البغدادي، حدثنا [ ص: 691 ] أبو معاوية عن شيب بن شيبة عن الحسن عن عمران بن [ ص: 692 ] حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأبيه: يا حصين، كم تعبد اليوم إلها؟ قال: سبعة؛ ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فأيهم تعده لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. [ ص: 693 ] فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الكافر إذ عرف أن إله العالمين في السماء كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسي وأصحابه مع ما ينتحلون من الإسلام؛ إذ ميز بين الإله الخالق الذي في السماء وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض.

فقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في [ ص: 694 ] السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم قد عرفوه بذلك إذا حزب الصبي شيء رفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، فكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية.

وقدمنا أيضا قوله في ضمن رده على الجهمي المنكر لاستواء الله على العرش، قال: وأعجب من هذا كله قياسك الله بقياس العرش ومقداره ووزنه من صغر أو كبر، وزعمت كالصبيان العميان إن كان الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو مثله، فإن كان الله أصغر فقد صيرتم العرش [ ص: 695 ] أعظم منه، وإن كان أكبر من العرش فقد ادعيتم فيه فضلا عن العرش، وإن كان مثله فإنه إذا ضم إلى العرش السموات والأرض كانت أكبر من خرافات تكلم بها وترهات يلعب بها وضلالات يضل بها لو كان من يعمل عليه لله لقطع ثمرة لسانه، والخيبة لقوم هذا فقيههم، والمنظور إليه مع هذا التمييز كله، وهذا النظر وكل هذه الجهالات والضلالات.

فيقال لهذا البقباق النفاخ: إن الله أعظم من كل شيء وأكبر من كل خلق، ولم يحتمله العرش عظما ولا قوة ولا حملة العرش احتملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه بشدة أسرهم، ولكنهم حملوه بقدرته ومشيئته وإرادته وتأييده، لولا ذلك ما أطاقوا حمله.

[ ص: 696 ] وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم حتى لقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته، ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ولا من فيهن، ولو قد شاء لاستقل على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته؛ فكيف على عرش عظيم أكبر من السموات السبع والأرضين السبع؟! ولو كان العرش في السموات والأرضين ما وسعته ولكنه فوق السماء السابعة.

التالي السابق


الخدمات العلمية