الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
الرابع : إطلاق اسم الجزء على الكل . كقوله - تعالى - : كل شيء هالك إلا وجهه ( القصص : 88 ) أي ذاته ويبقى وجه ربك ( الرحمن : 27 ) وقوله : وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ( البقرة : 144 ) . وقوله : وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ( الغاشية : 2 و 3 ) يريد الأجساد ؛ لأن العمل والنصب من صفاتها ، وأما قوله : وجوه يومئذ ناعمة ( الغاشية : 8 ) فيجوز أن يكون من هذا ؛ عبر بالوجوه عن الرجال ، ويجوز أن يكون من وصف البعض بصفة الكل ؛ لأن التنعم منسوب إلى جميع [ ص: 384 ] الجسد . ومنه : وجوه يومئذ ناضرة ( القيامة : 22 ) فالوجه المراد به جميع ما تقع به المواجهة لا الوجه وحده .

وقد اختلف في تأويل الوجه الذي جاء مضافا إلى الله في مواضع من القرآن ، فنقل ابن عطية عن الحذاق أنه راجع إلى الوجود ، والعبارة عنه بالوجه مجاز ؛ إذ هو أظهر الأعضاء فـ المشاهدة وأجلها قدرا . وقيل - وهو الصواب - : هي صفة ثابتة بالسمع ، زائدة على ما توجبه العقول من صفات الله - تعالى - ، وضعفه إمام الحرمين . وأما قوله - تعالى - : فثم وجه الله ( البقرة : 115 ) فالمراد الجهة التي وجهنا إليها في القبلة ، وقيل : المراد به الجاه ، أي فثم جلال الله وعظمته .

وقوله : فبما كسبت أيديكم ( الشورى : 30 ) ، ولا تلقوا بأيديكم ( البقرة : 195 ) تجوز بذلك عن الجملة . وقوله : واضربوا منهم كل بنان ( الأنفال : 12 ) البنان الإصبع ؛ تجوز بها عن الأيدي والأرجل ، عكس قوله - تعالى - : يجعلون أصابعهم ( البقرة : 19 ) . وقوله : فتحرير رقبة ( المجادلة : 3 ) . وقوله : سنسمه على الخرطوم ( القلم : 16 ) عبر بالأنف عن الوجه . لأخذنا منه باليمين ( الحاقة : 45 ) .

وكقوله - تعالى - : فإنه آثم قلبه ( البقرة : 283 ) أضاف الإثم إلى القلب وإن كانت الجملة كلها آثمة ؛ من حيث كان محلا لاعتقاد الإثم والبر ، كما نسبت الكتابة إلى اليد من حيث إنها تفعل بها في قوله - تعالى - : مما كتبت أيديهم ( البقرة : 79 ) وإن كانت الجملة كلها كاتبة ، ولهذا قال : وويل لهم مما يكسبون ( البقرة : 79 ) .

وكذا قوله : لا تدركه الأبصار ( الأنعام : 103 ) وقيل : المعنى على حذف المضاف ؛ لأن المدرك هو الجملة دون الحاسة ، فأسند الإدراك إلى الأبصار ، لأنه بها يكون . وكقوله - تعالى - : ويحذركم الله نفسه ( آل عمران : 28 ) أي إياه . تعلم ما في نفسي ( المائدة : 116 ) .

وجعل منه بعضهم قوله - تعالى - : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ( النور : 30 ) [ ص: 385 ] وحكى ابن فارس عن جماعة أن ( من ) هنا للتبعيض ؛ لأنهم أمروا بالغض عما يحرم النظر إليه .

وقوله : قم الليل ( المزمل : 2 ) أي صل في الليل ؛ لأن القيام بعض الصلاة .

وكقوله : وقرآن الفجر ( الإسراء : 78 ) أي صلاة الفجر . ومنه المسجد الحرام ( البقرة : 144 ) والمراد جميع الحرم . وقوله : واركعوا مع الراكعين ( البقرة : 43 ) أي المصلين . يخرون للأذقان سجدا ( الإسراء : 107 ) ويخرون للأذقان يبكون ( الإسراء : 109 ) أي الوجوه .

وقوله : إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ( آل عمران : 5 ) فعبر بالأرض والسماء عن العالم ؛ لأن المقام مقام الوعيد ، والوعيد إنما يحصل لو بين أن الله لا يخفى عليه أحوال العباد ؛ حتى يجازيهم على كفرهم وإيمانهم ، والعباد وأحوالهم ليست السماء والأرض بل من العالم ؛ فيكون المراد بالسماء والأرض العالم ؛ إطلاقا للجزء على الكل .

وقوله : قل أذن خير لكم ( التوبة : 61 ) قال الفارسي : جعله على المجاز " أذن " لأجل إصغائه ؛ قال : ولو صغرت " أذن " هذه التي في هذه الآية ، كان في لحاق التاء فيها وتركها نظر .

وجعل الإمام فخر الدين قوله - تعالى - : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ( البقرة : 125 ) المراد به جميع الحرم ، لا صفة الكعبة فقط ، بدليل قوله : أنا جعلنا حرما آمنا ( العنكبوت : 67 ) وقوله : هديا بالغ الكعبة ( المائدة : 95 ) والمراد الحرم كله ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، قال : وكذلك " المسجد الحرام ، في قوله - تعالى - : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ( التوبة : 28 ) والمراد منعهم من الحج وحضور مواضع النسك .

وقيل في قوله - تعالى - : بلى قادرين على أن نسوي بنانه ( القيامة : 4 ) أي نجعلها صفحة مستوية لا شقوق فيها كخف البعير ، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة ، كالكتابة [ ص: 386 ] والخياطة ونحوها من الأعمال التي يستعان فيها بالأصابع ، قالوا : وذكرت البنان ؛ لأنه قد ذكرت اليدان ، فاختص منها ألطفها .

وجوز أبو عبيدة ورود البعض وإرادة الكل ؛ وخرج عليه قوله - تعالى - : ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ( الزخرف : 63 ) أي كله ، وقوله - تعالى - : وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ( غافر : 28 ) وأنشد بيت لبيد :


تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها

قال : والموت لا يعتلق بعض النفوس دون بعض ؛ ويقال للمنية : علوق ، وعلاقة . انتهى . وهذا الذي قاله فيه أمران : ( أحدهما ) : أنه ظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجب عليه أن يبين في شريعته جميع ما اختلفوا فيه ؛ وليس كذلك ؛ بدليل سؤالهم عن الساعة وعن الروح وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله . وأما الآية الأخرى ، فقال ثعلب : إنه كان وعدهم بشيء من العذاب : عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فقال : " يصبكم " هذا العذاب في الدنيا ، وهو بعض الوعيد ، من غير نفي عذاب الآخرة .

الثاني : أنه أخطأ في فهم البيت ؛ وإنما مراد الشاعر ببعض النفوس نفسه هو ، لأنها بعض النفوس حقيقة ؛ ومعنى البيت : أنا إذا لم أرض الأمكنة اتركها إلى أن أموت ؛ أي إذا تركت شيئا لا أعود إليه إلى أن أموت كقول الآخر :


إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد     إليه بوجه آخر الدهر ترجع

وقال الزمخشري : إن صحت الرواية عن أبي عبيدة ، فيدخل فيه قول المازني [ ص: 387 ] في مسألة العلقى : كان أجفى من أن يفقه ما أقول له . وأشار الزمخشري بذلك إلى أن أبا عبيدة قال للمازني : ما أكذب النحويين ! يقولون : هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث ، وإن الألف في علقى ملحقة ، قال : فقلت له : وما أنكرت من ذلك ؟ قال : سمعت رؤبة ينشد :


فحط في علقى وفي مكور

فلم ينونها ، فقلت : ما واحد العلقى ؟ فقال : علقاة ، قال المازني : فأسفت ولم أفسر له ، لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا .

قلت : ويحتمل قوله : يصبكم بعض الذي يعدكم ( غافر : 28 ) أن الوعيد مما لا يستنكر ترك جميعه ، فكيف بعضه ؟ ! ويدل قوله في آخر هذه السورة : فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ( غافر : 77 ) وفيها تأييد لكلام ثعلب أيضا .

وقد يوصف البعض ، كقوله - تعالى - : يعلم خائنة الأعين ( غافر : 19 ) وقوله : ناصية كاذبة خاطئة ( العلق : 16 ) الخطأ صفة الكل ، فوصف به الناصية ، وأما الكاذبة فصفة اللسان . وقد يوصف الكل بصفة البعض كقوله : إنا منكم وجلون ( الحجر : 52 ) والوجل صفة القلب . وقوله : ولملئت منهم رعبا ( الكهف : 18 ) والرعب إنما يكون في القلب .

التالي السابق


الخدمات العلمية