الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                البحث الرابع : في الملاعنة ، وفي الكتاب : اللعان بين كل زوجين كانا حرين ، أو مملوكين أو أحدهما ، أو محدودين ، أو كتابية تحت مسلم ، بخلاف الكافر لعموم الآية ، وعدم اندراج الكافر لبطلان عقدهما ، ولعدم توجه الحد عليهما في القذف ، وأما الأمة والكتابية فلا يلاعن الزوج فيهما إلا لنفي الحمل إذا ادعى الاستبراء ورؤية لم يتبين بعدها ، ولا يلاعن لرؤية ; لأنه لا يحد قاذفها ، فإن أحب ذلك لتحققه عليهما لم يمنع ، وقال ( ح ) : إذا كان أحد الزوجين مملوكا أو ذميا أو محدودا في قذف ، أو كانت المرأة ممن لا يحد قاذفها فلا لعان بينهما ; لأن اللعان شهادات لا تكون إلا لمن له أهلية الشهادات ، وجوابه : أنه لو كان شهادات لما قبل من المدعي ولما شرع فيه اللعان والغصب ، بل الحق أنه فيه شائبة الشهادة ، قال ابن يونس : قال سحنون : في حر تحته أمة فابتاعها ثم ظهر بها حمل إن وضعت لأقل من ستة أشهر من يوم الشراء ، أو قد أصابها بعد الشراء لاعنها ; لأنه زوج ، أو لستة أشهر فأكثر بعد الشراء والوطء لحق به لاحتماله من مسيس الملك ، وإن لم يمسها بعد الشراء ووضعته لما يشبه أن يكون من وطئه لما كان زوجا بخمس سنين فأدنى فاللعان بينهما ، وفي الجواهر : إذا اشترى أمة وظهر بها حمل ، فإن علمه يوم الشراء أو أتت [ ص: 298 ] به لأقل من ستة أشهر ، فالولد للنكاح ما لم يطأها بعد الشراء ( وتأتي به لأكثر من ستة أشهر ، وروى سحنون : إذا لم يطأها بعد الشراء ) بحيضتين فهو للواطئ بعد الشراء ولا ينفيه ، استبرأها بعد الوطء أم لا ، إلا أن يدعي استبراءها بعد الوطء ، قال اللخمي : وإذا كانت مسلمة والزوج نصرانيا إما لأنها أسلمت قبله ، أو تعدت في تزويجه على القول بأنها لا تكون بتزويجه زانية لاعن بقذفها ، فإن نكل حد ، وإن لاعن ونكلت لم تحد بأيمانه ; لأنها أقيمت مقام الشهادة ، وفي الكتاب : يلاعن من لا يدري لصغر أو كبر إن كانت الصغيرة قد جومعت ، وإن لم تحض ، وتلتعن الكبيرة دون الصغيرة لعدم أهلية اليمين ، وعدم توجه الحد عليها وتبقى زوجة .

                                                                                                                قال صاحب النكت : إذا لاعن النصرانية فامتنعت فلها النفقة حتى تلد ، وإن امتنع وطؤها لكون الولد من غيره ; لأنها زوجة ، ويجوز الاستمتاع بها كما يستمتع بالحائض على الخلاف في المستبرأة حاملا ، وتلاعن النصرانية دون الصغيرة ، وكلاهما لا يتعلق بنكوله حد ، والفرق أنها قد تتوجه عليها عند أهل دينها عقوبة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال ابن يونس : إذا توافق الكتابيون بحكمنا في اللعان فنكلت الزوجة رجمت على رأي عيسى بن دينار ، ولا ترجم على رأي البغداديين لفساد أنكحتهم ، ويجب الحد كالمتلاعنين قبل البناء .

                                                                                                                [ ص: 299 ] فرع

                                                                                                                في الجلاب : إذا أتت المنكوحة في العدة بولد لأقل من ستة أشهر من النكاح الثاني ، أو لستة أشهر وقبل حيضة لحق بالأول ; لعدم الحيض الدال على البراءة أو بعد ستة أشهر وحيضة لحق بالثاني ; لوجود الأجل الصالح والدال على البراءة ، إلا أن ينفيه باللعان ( يلحق بالأول إلا أن ينفيه باللعان ) فينتفي فيهما جميعا ، وإن استلحقه أحدهما لحق به ، وقال محمد : والمراد دخول الثاني دون عقده ، وإن ( كانت المرأة تصير فراشا بالعقد لقوة فراش الأول وضعف الثاني ) وإن استلحقاه معا كان للثاني ، ولا تلاعن إلا مع الثاني إذا نفاه إلى الفراش الأول ، قال ابن يونس : قال أصبغ : من استلحقه منهما حد ولحق به ، وقال محمد : إن استلحقه الثاني دون الأول لحقه وحد ; لأنه نفاه إلى غير أب ، ومن استلحقه أولا لحق به ، ولا دعوى للثاني فيه ( ولو ادعاه الأول بعد لعانه ، وقبل لعان الثاني ، لم يقبل منه ; لأنه للثاني حتى ينفيه ) ولو استلحقاه بعد لعانهما اختص بالأول ، ويحرم على الثاني أبدا ، وإن لم يلتعن ; لأنه ناكح في العدة ، ولا تحرم على الأول وإن التعن ; لأنها لم تلاعنه كالمغتصبة ، وقال أصبغ : وإذا تلاعنا جميعا حرمت عليهما لبطلان النسبة للثاني بلعانه ، ولو عقد عليها حاملا فأتى للستة أشهر فأكثر فهو للآخر إلا أن ينفيه بلعانه ، ولا تلتعن هي ، ولحق بالأول إلا أن ينفيه وتلتعن فيلتعن ، فإن نكلت حدت .

                                                                                                                [ ص: 300 ] تنبيه : مراد العلماء بعدم لحوق الولد لأقل من ستة أشهر : ( إذا كان تاما أما لو وضعته ناقصا لأجل ذلك النقص لحق به لأقل من ستة أشهر ) .

                                                                                                                قاعدة : الولد يتحرك لمثل ما يخلق فيه ، ويوضع لمثل ما تحرك فيه ، وهو يتخلق في العادة تارة لشهر ، وتارة لشهر وخمسة أيام ، وتارة لشهر ونصف ، فيتحرك في الأول : لشهرين ، ويوضع لستة أشهر ، ( وفي الثاني : شهرين وثلث ، ويوضع لسبعة أشهر ) ، والثالث : لثلاثة أشهر ، ويوضع لتسعة أشهر ( من عجز أو تأخر عن الأولين لآفة مؤخرة ) فلذلك لا يعيش ولد الثمانية أشهر لكونه إما متقدما على التسعة لآفة من عجز أو تأخر عن الأولين لآفة مؤخرة ، والموصوف لا يعيش فلا يعيش فلهذه القوانين يعتبر النقص مع الآجال فكل حمل قبل أجله يمتنع لحوقه أو مع أجله لحق .

                                                                                                                فائدة : فعلى هذا التقدير يكون قوله عليه السلام : ( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ، وأربعين صباحا ) إشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا ، فإن الأربعين تقرب من الثلاثين ومن الخمسة والثلاثين .

                                                                                                                [ ص: 301 ] فرع

                                                                                                                في الكتاب : لا تلاعن الحائض والنفساء إذا قذفت حتى تطهر ، حتى تقع العدة في طهر كالطلاق ، وكذلك لا يطلق على المعسر بالنفقة والعنين حتى تطهر بخلاف المولي ، وروى أشهب : التسوية ، قال ابن يونس : قال أبو محمد : يلاعن الزوج وتؤخر هي .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الجلاب : إذا أقر بوطء أمته لحق به ولدها لقوله عليه السلام : ( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ) ، ولقول عمر رضي الله عنه : ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يدعونهن يخرجن ، لا تأتني وليدة يعترف سيدها بوطئها إلا لحق به ولدها ، قال اللخمي : ولا يختلف المذهب في قبول قوله كانت من العلي أم لا ، قال : وأرى أن يختلف في العلي ، وفي الجواهر : إذا أقر بوطئها لا ينتفي ولدها حتى يدعي الاستبراء بغير يمين ; لأن الاستبراء في الإماء كاللعان في الحرائر ، وقيل : لا بد من اليمين ; لأنه عوض اللعان ، ولو أنكر ولادتها لم يلحق به ، ( إلا أن تشهد امرأتان ثقتان بولادته لاحتمال التقاطه توسلا للعتق ، ويقبل قول الحرة في الولادة ) لعدم التهمة إذا وطئ البائع والمشتري في طهر واحد ، وأشبه أن يكون الولد منهما لحق بمن ألحقته به القافة لما في مسلم ، قالت عائشة رضي الله عنها : دخل علي .

                                                                                                                [ ص: 302 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم مسرورا فقال : يا عائشة ألم تري إلى مجزز المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما ، فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض
                                                                                                                ) ، قال أبو داود : وكان أسامة شديد السواد ، وأبوه شديد البياض وطعنت الجاهلية عليه بذلك فسر - عليه السلام - بترك الطعن عند ذلك ، وهو - عليه السلام - لا يسر إلا بسبب حق ، وبالقافة قال ( ش ) خلافا ل ( ح ) ، ونفاه مالك في المشهور من الحرائر دون الإماء ، قال الأبهري : وروي عنه التسوية ، ويكفي واحد عند ابن القاسم ; لأنه من باب الخبر ، وقيل : لا بد من اثنين ; لأنه من باب الشهادة ، والفرق بين الحرائر والإماء أن فراش الأول صحيح بالعقد ، والثاني فاسد فاعتبر العقد الأول دون العقد الثاني ، وألحق به تارة ، ولا مرجح في وطء السيدين .

                                                                                                                نظائر : قال العبدي : المتردد بين الشهادة والخبر سبع : القائف ، والترجمان ، وقيل : يكفي الواحد ، وقيل : لا بد من اثنين ، وأما الكاشف عن البينات ، وقائس الخراج ، والناظر في العيوب ، كالطبيب والبيطار فواحد ، قال ابن حبيب : ولو كان البيطار فاسقا ، وكذلك المستنكه للسكران إذا أمره الحاكم ، واختلف في الحكمين فقيل : اثنان ، وقيل : واحد ، ولا بد في تقويم السلع والعيوب من اثنين .

                                                                                                                تمهيد : الحكم بتردد بين الخبر والشهادة ، فرع تصورهما ، ولا يمكن تميزهما باشتراط العدد في الشهادة ، وقبول العبد والمرأة في الخبر ; لأن ذلك فرع تميزهما فيلزم الدور فهذا مقام عزيز يحتاج الفقيه المحصل إلى كشفه ، وهو عزيز في صدور الأئمة النبلاء ، ومعدوم عند أكثر الفقهاء .

                                                                                                                [ ص: 303 ] واعلم أن الشهادة أيضا خبر ، والرواية أيضا خبر ، والفرق بينهما من جهة المخبر والمخبر عنه ، قال المازري في شرح البرهان : فمتى كان المخبر عنه حكما عاما في الأزمان والأشخاص بهذه الرواية ، فيتعين قبول الواحد العدل لعدم اتهامه بقصد أذية الخلق لترتيب الحكم عليهم إلى أن تقوم الساعة ، ومتى كان خاصا فيهما فهو الشهادة ، كالإخبار عن ثبوت درهم عند زيد ، فيشترط فيه العدد للتهمة ، ويرد الصداق والمرأة لتضرر المعين بالنقيصة مع الاختصاص ، فمتى اجتمع العموم والخصوص اختلف العلماء لتردد الحكم بينهما ، كالخبر عن رؤية هلال رمضان عام في أهل البلاد ، خاص في الأزمان ، فجرى الخلاف فيه لذلك ، والقائف والترجمان إن لاحظنا فيهما نصيبهما للخلق على العموم من غير اختصاص بمعين ، ولا هما تابعان لادعاء خصم ، بل الحاكم هو المصرف لهما كانا من باب المخبرين دون الشهود ، وإن لاحظنا استئناف أخبارهما عند كل واقعة معينة كانا من باب الشهود فقد اجتمع فيهما العموم من وجه والخصوص من وجه ، وكذلك من ذكر معهما ، وكذلك اختلف العلماء في التزكية هل يكفي فيه واحد أم لا إن لاحظنا أن المزكي يحصل مصلحة واحدة لشخص خاص كان شاهدا ، أو أنه يوجب قبول المزكي على الخلق كافة مع الأزمان كان مخبرا ، ومنهم من جعله من باب الشهادة إن زكى شاهدا ملاحظة لخصوص الشهادة ، ومن باب الخبر : أن يزكي راويا نظرا للعموم ، ومن العلماء من قال : التردد واقع بين الحكم والشهادة لا بين الشهادة والخبر ، والحكم هو الخبر الملزم ، والشهادة الخبر عن أمر خاص ، والرواية خبر عن [ ص: 304 ] أمر عام كما تقدم ، وهو يظهر في بعض هذه الفروع أكثر من قولنا فإنك إذا اعتبرت القائف ، والترجمان ، والمقوم ، والطبيب ، والبيطار ، وجدت أقوالهم ملزمة فتندرج في حقيقة الحكم ، والحاكم واحد إجماعا ، فيظهر التخريج عليه أكثر من الرواية لوجود الإلزام ، وإذا اعتبرت المزكي والإخبار عن رؤية الهلال ونحوهما تجده عريا عن الإلزام فيتعذر تخريجه على التردد بين الحكم والشهادة ، ويتعين مقال الأصحاب .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية