الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي ( وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِأَنَّ { النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ } . وَلَهُمَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْهِرَّةُ سَبُعٌ } وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ ، إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ . وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ ، ثُمَّ قِيلَ كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ ، وَقُبِلَ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةِ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى التَّنَزُّهِ وَالْأَوَّلُ إلَى الْقُرْبِ مِنْ التَّحْرِيمِ . وَلَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهِ الْمَاءَ تَنَجَّسَ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لَغُسْلِهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ . فتح القدير قَوْلَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حَارِثَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ { عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ } قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَحَارِثَةُ لَا بَأْسَ بِهِ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ الْكِتَابِ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي إحْدَاهُمَا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي ، وَضَعَّفَهَا بِعَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، وَضَعَّفَ الثَّانِيَةَ بِالْوَاقِدِيِّ ، وَقَالَ فِي الْإِمَامِ : جَمَعَ شَيْخُنَا أَبُو الْفَتْحِ الْحَافِظُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الْمَغَازِي وَالسَّيْرِ وَمَنْ ضَعَّفَهُ وَمَنْ وَثَّقَهُ وَرَجَّحَ تَوْثِيقَهُ وَذَكَرَ الْأَجْوِبَةَ عَمَّا قِيلَ فِيهِ ، وَعَنْ { كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ ، فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي ، فَقُلْتُ نَعَمْ ، فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ } رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ( قَوْلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْهِرَّةُ سَبُعٌ } ) رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { السِّنَّوْرُ سَبُعٌ } وَصَحَّحَهُ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِقِصَّةٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ دُونَهُمْ دَارٌ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ وَلَا تَأْتِي دَارَنَا ؟ فَقَالَ : لِأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبًا ، قَالُوا : فَإِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْرًا ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السِّنَّوْرُ سَبُعٌ } وَفِي السَّنَدَيْنِ عِيسَى بْنُ الْمُسَيِّبِ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ بِنَاءً عَلَى تَوْثِيقِهِ ، قَالَ : لَمْ يُجْرَحْ قَطُّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ لِلْمَطْلُوبِ النِّزَاعِيِّ حَاجَةٌ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، لِأَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي النَّجَاسَاتِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى سُقُوطِهَا بَعْلَةِ الطَّوَافِ الْمَنْصُوصَةِ فِي قَوْلِهِ { إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ } يَعْنِي أَنَّهَا تَدْخُلُ الْمَضَايِقَ وَلَازِمُهُ شِدَّةُ الْمُخَالَطَةِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ صَوْنُ الْأَوَانِي مِنْهَا بَلْ النَّفْسُ وَالضَّرُورَةُ اللَّازِمَةُ مِنْ ذَلِكَ أَسْقَطَتْ النَّجَاسَةَ ، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجَبَ الِاسْتِئْذَانَ وَأَسْقَطَهُ عَنْ الْمَمْلُوكِينَ { وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ } . أَيْ عَنْ أَهْلِهِمْ فِي تَمْكِينِهِمْ مِنْ الدُّخُولِ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ بِغَيْرِ إذْنٍ لِلطَّوْفِ الْمُفَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى عَقِيبَهُ { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } إنَّمَا الْكَلَامُ بَعْدَ هَذَا فِي ثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا قَالَهُ الْبَعْضُ لَمْ يَنْهَضْ بِهِ وَجْهٌ ، فَإِذَا قَالَ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ فَبَقِيَتْ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ مُنِعَتْ الْمُلَازَمَةُ ، إذْ سُقُوطُ وَصْفٍ أَوْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ آخَرَ إلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا قُلْنَا فِي نَسْخِ الْوُجُوبِ لَا يَنْفِي عَنْهُ صِفَةَ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى يَخُصَّهَا دَلِيلٌ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ إثْبَاتَ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا ، فَإِثْبَاتُ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ بَلْ سِيَاقُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي طَهَارَتَهَا وَطَهَارَةَ السِّبَاعِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ عُذْرًا فِي زِيَارَةِ أَصْحَابِ الْهِرَّةِ دُونَ أَصْحَابِ الْكَلْبِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ تَعْلِيلَهُ عَدَمُ الدُّخُولِ بِوُجُودِ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا هُوَ فِيهِ بِخِلَافِ السِّبَاعِ ، وَإِنْ كَانَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، هُوَ الْأَصَحُّ كَفَى فِيهِ أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ فَيُكْرَهُ كَمَا غَمَسَ الصَّغِيرُ يَدَهُ فِيهِ وَأَصْلُهُ كَرَاهَةُ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ لِلْمُسْتَيْقِظِ قَبْلَ غَسْلِهَا نُهِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فَهَذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ مُنْتَهِضٌ يَتِمُّ بِهِ الْمَطْلُوبُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَيُحْمَلُ إصْغَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنَاءَ عَلَى زَوَالِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ بِأَنْ كَانَتْ بِمَرْأًى مِنْهُ فِي زَمَانٍ يُمْكِنُ فِيهِ غَسْلُهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيُمْكِنُ كَوْنُهُ بِمُشَاهَدَةِ شُرْبِهَا مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ قُدُومِهَا عَنْ غَيْبَةٍ يَجُوزُ مَعَهَا ذَلِكَ فَيُعَارِضُ هَذَا التَّجْوِيزَ تَجْوِيزُ أَكْلِهَا نَجِسًا قُبَيْلَ شُرْبِهَا فَيَسْقُطُ فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ دُونَ كَرَاهَةٍ لِأَنَّهَا مَا جَاءَتْ إلَّا مِنْ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ وَقَدْ سَقَطَ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ كَرَاهَةِ أَكْلِ فَضْلِهَا وَالصَّلَاةُ إذَا لَحِسَتْ عُضْوًا قَبْلَ غَسْلِهِ كَمَا أَطْلَقَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُ ، بَلْ بِقَيْدِ ثُبُوتِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ ، أَمَّا لَوْ كَانَ زَائِلًا بِمَا قُلْنَا فَلَا ( قَوْلُهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ ) يَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً حِينَئِذٍ ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَا لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ عِنْدَهُ إلَّا بِالْمَاءِ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية