الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ صِدْقَ الرَّسُولِ يُعْرَفُ بِطُرُقٍ أُخْرَى غَيْرِ الْمُعْجِزَةِ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنَّ مُثْبِتِي النُّبُوَّاتِ تَحْصُلُ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِاللَّهِ بِثُبُوتِ النُّبُوَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ فِي دَلَائِلِ الْعُقُولِ. وَإِنَّا لَا نَمْنَعُ صِحَّةَ النَّظَرِ، وَلَا نَمْنَعُ حُصُولَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَإِنَّمَا خِلَافُنَا: هَلْ يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ؟ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ لِمُثْبِتِي النُّبُوَّاتِ. وَالْقَاضِي فِي هَذَا قَدْ سَلَكَ مَسْلَكَ الْخَطَابِيِّ، كَمَا قَدْ كَتَبْنَا كَلَامَهُ، وَقَدْ قَالَ: (إِنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ أَمْرُ التَّوْحِيدِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: ثُبُوتُ النُّبُوَّاتِ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا نَبِيُّهُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي عُقُولِهِمْ، صَحَّتْ عِنْدَهُمْ نُبُوَّتُهُ، وَظَهَرَتْ عَنْ غَيْرِهِ بَيْنُونَتُهُ، وَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ عَلَى مَا أَنْبَأَهُمْ عَنْهُ مِنَ الْغُيُوبِ، وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَإِثْبَاتِ صِفَاتِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ مَا وَجَدُوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَفِي سَائِرِ الْمَصْنُوعَاتِ، مِنْ آثَارِ الصَّنْعَةِ، وَدَلَائِلِ الْحِكْمَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى أَنَّ لَهُ صَانِعًا حَكِيمًا عَالِمًا خَبِيرًا، تَامَّ الْقُدْرَةِ، بَالِغَ الْحِكْمَةِ. وَقَدْ نَبَّهَهُمُ الْكِتَابُ عَلَيْهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى تَدَبُّرِهِ وَتَأَمُّلِهِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ثُبُوتِ رُبُوبِيَّتِهِ) إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. وَهَذَا الْكَلَامُ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ بِطُرُقٍ: أَحَدُهَا: بِأَنْ يُقَالَ: الْإِقْرَارُ بِالصَّانِعِ ضَرُورِيٌّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ، فَإِذَا شُوهِدَتِ الْمُعْجِزَاتُ أَمْكَنَ أَنْ يُعْلَمَ بِهَا صِدْقُ الرَّسُولِ. الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: نَفْسُ الْمُعْجِزَاتِ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ الرَّسُولِ الْمُتَضَمِّنُ إِثْبَاتَ مُرْسِلِهِ؛ لِأَنَّهَا دَالَّةٌ بِنَفْسِهَا عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ الْمُحْدِثِ لَهَا، وَأَنَّهُ أَحْدَثَهَا لِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْعَبْدِ مَعْرِفَةُ الْإِقْرَارِ بِالصَّانِعِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ قِصَّةَ مُوسَى مِنْ هَذَا الْبَابِ. قَالَ تَعَالَى: كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [سُورَةَ الشُّعَرَاءِ: 15 - 51] وَفِي سُورَةِ طه: فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى . [سُورَةَ طه: 47] إِلَى آخَرَ الْقِصَّةِ. فَفِرْعَوْنُ كَانَ مُنْكِرًا لِلصَّانِعِ، مُسْتَفْهِمًا عَنْهُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ، سَوَاءً كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُقِرًّا بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْ مُوسَى آيَةً فَأَظْهَرَ آيَتَهُ، وَدَلَّ بِهَا عَلَى إِثْبَاتِ إِلَهِيَّةِ رَبِّهِ وَإِثْبَاتِ نُبُوَّتِهِ جَمِيعًا. كَمَا قَالَ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ . [سُورَةَ الشُّعَرَاءِ: 29 - 33] وَلِهَذَا قَالَ السَّحَرَةُ لَمَّا عَارَضُوا مُعْجِزَتَهُ بِسِحْرِهِمْ، فَبَطَلَ سِحْرُهُمْ، تَبَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ آيَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْمَخْلُوقِينَ: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [سُورَةَ الشُّعَرَاءِ: 47 - 48] فَكَانَ إِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ لَمَّا شَاهَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتِ الْمُعْجِزَةُ مُبَيِّنَةً لِلْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَبِصِدْقِ رَسُولِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ تَدُلُّ الْمُعْجِزَةُ كَدَلَالَتِهَا وَأَعْظَمَ. وَإِذَا كَانَتْ دَلَالَتُهَا عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ مَعْلُومَةً بِالِاضْطِرَارِ، كَالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبُوهُ فِي أَنَّ رَجُلًا لَوْ تَصَدَّى بِحَضْرَةِ مَلِكٍ مُطَاعٍ وَقَالَ: إِنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فَانْقُضْ عَادَتَكَ، وَقُمْ ثُمَّ اقْعُدْ، ثُمَّ قُمْ ثُمَّ اقْعُدْ، فَخَرَقَ الْمَلِكُ عَادَتَهُ، وَفَعَلَ مَا طَلَبَهُ الْمُدَّعِي عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ - لَعَلِمَ الْحَاضِرُونَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ. فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ: هَلْ دَاخِلُ هَذِهِ الدَّارِ نَاسِخٌ يَكْتُبُ خَطًّا مَلِيحًا؟ فَأَخَذَ الْمُدَّعِي وَرَقًا أَبْيَضَ، وَمَعَهُ شِعْرٌ قَدْ صَنَعُوهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ فِي وَرَقَةٍ أُخْرَى، وَقَالَ: إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَاسِخٌ فَلْيَنْسَخْ هَذَا الشِّعْرَ فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ الْبَيْضَاءِ، فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِمُ الْوَرَقَةُ الْبَيْضَاءُ وَقَدْ كُتِبَ فِيهَا ذَلِكَ الشِّعْرُ - تَيَقَّنُوا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَنْسَخُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية