الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قُلْتُ: فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَقْلِ، وَأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْعَقْلِ، ذَكَرُوا أَنَّ الرُّسُلَ بَيَّنُوا الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا النَّاظِرُ، كَمَا نَبَّهُوا الْغَافِلَ وَوَكَّدُوا الْحُجَّةَ؛ إِذْ كَانُوا لَيْسُوا بِدُونِ مَنْ يَتَعَلَّمُ الْحِسَابَ وَالطِّبَّ وَالنُّجُومَ وَالْفِقْهَ، مِنْ كُتُبِ الْمُصَنِّفِينَ، لَا تَقْلِيدًا لَهُمْ فِيمَا ذَكَرُوهُ، لَكِنْ لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّهُ عَلَى الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا بِعَقْلِهِ. فَهِدَايَةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، وَإِرْشَادُهُ لَهُمْ إِلَى الْأَدِلَّةِ الْمُرْشِدَةِ، وَالطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ، الَّتِي يَعْمَلُ النَّاظِرُ فِيهَا بِعَقْلِهِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، أَعْظَمُ مِنْ كَلَامِ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَبُو الْخَطَّابِ يَخْتَارُ مَا يَخْتَارُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ -أَوْ أَكْثَرُهُمْ- مَعَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ -مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْبُلُوغُ، بَلْ تَجِبُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، بِخِلَافِ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. قَالَ: (وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْعَقْلِ إِلْزَامٌ وَحَظْرٌ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِمَعْرِفَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ أَصْلٌ فِي أَوَائِلِ الْعُقُولِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْقِدَمِ وَالْحَدَثِ فِيهَا أَصْلًا؟ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ مَنْ أَنْكَرَ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مُكَابِرًا لِعَقْلِهِ مُغَالِطًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ جَاحِدَ مَا يَثْبُتُ فِي الْبَدَائِهِ مُكَابِرٌ). قَالَ: (وَالْجَوَابُ أَنَّ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ أَصْلًا فِي بَدَائِهِ الْعُقُولَ، وَهُوَ عِلْمُنَا بِحُسْنِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ، وَالْإِنْصَافِ، وَالْعَدْلِ، وَقُبْحِ الْكَذِبِ، وَالْجَوْرِ، وَالظُّلْمِ. وَمُنْكِرُ ذَلِكَ مُكَابِرٌ لِكَافَّةِ الْعُقَلَاءِ. إِلَّا أَنَّ مِنَ الْعُقَلَاءِ مَنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا أَعْرِفُهُ بِالنَّظَرِ وَالْخَبَرِ. فَذَلِكَ مُقِرٌّ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَمُدَّعٍ غَيْرَ طَرِيقِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، فَنَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ وَنُبَيِّنُ لَهُ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ وَعَبَدَةَ الْأَصْنَامِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، كَمَا يَعْلَمُهُ أَهْلُ الْأَدْيَانِ، فَسَقَطَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُهُ إِلَّا الْعَقْلُ. وَعَلَى أَنَّ الْقِدَمَ وَالْحُدُوثَ لَهُمَا أَصْلٌ فِي بَدَائِهِ الْعُقُولِ ثُمَّ الْخُلْفُ فِي ذَلِكَ وَاقِعٌ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ مُخَالِفَنَا مُكَابِرٌ عَقْلُهُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ أَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ فِي الْعَقْلِ إِلْزَامًا وَحَظْرًا، عَلَى أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ وَلَا يُحْظَرُ إِلَّا بِتَنْبِيهٍ يَرِدُ عَلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، قُلْنَا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ بِخَبَرِ الشَّرْعِ لَا الْخَوَاطِرِ؛ لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمَلِكِ وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَمِنْ ثَوَرَانِ الْمِرَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِيهَا لَمْ نَلْتَفِتْ إِلَى تَنْبِيهِهَا، وَالْتَفَتْنَا إِلَى مَا تُؤَثِّرُ بِهِ، وَهُوَ خَبَرُ الشَّرْعِ. فَإِذَا عُدِمَ خَبَرُ الشَّرْعِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا إِلْزَامَ وَلَا حَظْرَ فِي ذَلِكَ). وَقَالَ: (وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُنَبَّهَ عَلَى مَعْرِفَةِ حُسْنِ الشُّكْرِ بِخُطُورِ النِّعْمَةِ بِبَالِهِ مِنْ مُنْعِمٍ قَصَدَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا خَطَرَ لَهُ نِعَمُهُ عَلَيْهِ -عَلَى مَا ذَكَرْنَا- أَلْزَمَهُ عَقْلُهُ الشُّكْرَ لَا مَحَالَةَ، سَوَاءً نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَسْوَسَةٌ أَوْ إِلْهَامٌ. وَلِذَلِكَ مَهْمَا خَطَرَ بِبَالِهِ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ عَرَفَ قُبْحَهُ. وَمَهْمَا خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّ الْقَبِيحَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ وَعِقَابِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ضِدُّهُ سَبَبًا لِنَجَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ، سَوَاءً كَانَتِ الْخَطِرَةُ مِنَ الْمَلَكِ أَوْ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَثَبَتَ أَنَّ التَّنْبِيهَ لَا يَقِفُ عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَلْزَمُ أَنَّ الْحُدُوثَ وَالْقِدَمَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَنْبِيهٍ، ثُمَّ ذَلِكَ خَاطِرٌ عَقْلِيٌّ، وَلَا يُقَالُ: يَقِفُ عَلَى تَنْبِيهِ الشَّرْعِ). قَالَ: (وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ أَنَّ التَّكْلِيفَ يَقِفُ عَلَى الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ الْعَقْلُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْغُلَامَ إِذَا احْتَلَمَ فَلَيْسَ يَسْتَحْدِثُ عَقْلًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَقَلَ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَبَانَ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يَحْظُرُهُ. وَقَالَ: (الْجَوَابُ: أَنَّ الْمَوْقُوفَ مِنَ التَّكْلِيفِ عَلَى الْبُلُوغِ هُوَ تَكْلِيفُ الشَّرْعِيَّاتِ خَاصَّةً. فَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْمُسْتَفَادَةُ بِالْعَقْلِ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْإِنْسَانَ إِذَا اسْتَفَادَ مِنَ الْعَقْلِ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، فَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ). قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ -الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ- مِنَ الْقَائِلِينَ بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي الْوُجُوبِ قَبْلَ الْبُلُوغِ قَوْلَانِ: وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَقُولُ بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ هُمْ وَنُفَاةُ ذَلِكَ مِنَ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ يَنْفُونَ الْوُجُوبَ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ مُصَنِّفِي الْحَنَفِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ، قَالُوا: وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِالْعَقْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِالْجَهْلِ بِخَالِقِهِ لِمَا يَرَى مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقِ نَفْسِهِ، وَسَائِرِ خَلْقِ رَبِّهِ. قَالُوا: وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا لَوَجَبَ عَلَى الْخَلْقِ مَعْرِفَتُهُ بِعُقُولِهِمْ. قَالُوا: وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي صَبِيٍّ عَاقِلٍ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ. قَالُوا: وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ شَيْءٌ مِنْ قَبْلِ الْبُلُوغِ، كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ بِالِاتِّفَاقِ). قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يَقُولُ بِهِ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، كَمَا يَقُولُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْحَنَفِيَّةُ، وَتَنَازَعَ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَأَنَّ الْأَعْيَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، هَلْ هِيَ عَلَى الْحَظْرِ أَوِ الْإِبَاحَةِ؟ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ بِالْعَقْلِ يُعْلَمُ الْحَظْرُ أَوِ الْإِبَاحَةُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْعَقْلَ لَا يُعْلَمُ بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ حَظْرًا أَوْ إِبَاحَةً، فَقَدْ تَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رَامَ مِنْهُمْ مَنْ تَفَطَّنَ لِتَنَاقُضِهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلَيْهِ فَلَمْ يَتَأَتَّ. كَقَوْلِ طَائِفَةٍ: إِنَّهُ بَعْدَ الشَّرْعِ عَلِمْنَا بِهِ أَنَّ الْأَعْيَانَ كَانَتْ مَحْظُورَةً أَوْ مُبَاحَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ. لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ». وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا، مُتَلَقَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِالْقَبُولِ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَتْلَ الصَّبِيِّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ - بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَيْضًا فَالنَّاسُ مَعَ تَنَازُعِهِمْ فِي أَوْلَادِ الْكُفَّارِ: هَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، أَوْ يُتَوَقَّفُ فِيهِمْ؟ لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ -عَلِمْنَاهُ- بَيْنَ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ، بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ -وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُمُ- الْوَقْفُ فِيهِمْ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، كَمَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ. وَذَكَرُوا أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ غَلَطٌ عَنْ أَحْمَدَ. فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَابَ فِيهِمْ بِجَوَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ يُرْوَى «أَنَّ خَدِيجَةَ سَأَلَتْهُ عَنْ أَوْلَادِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَقَالَ: هُمْ فِي النَّارِ. فَقَالَتْ: بِلَا عَمَلٍ؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». فَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَحْمَدَ أَفْتَى بِمَا فِي حَدِيثِ خَدِيجَةَ، كَمْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي «الْمُعْتَمَدِ». وَهَذَا غَلَطٌ عَلَى أَحْمَدَ. فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، بَلْ مَوْضُوعٌ. وَأَحْمَدُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ مُتَنَاقِضٌ، يَنْقُضُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، كَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ. وَالَّذِينَ قَالُوا بِالْوَقْفِ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ الْجَنَّةَ وَفَرِيقٌ النَّارَ بِحَسَبِ تَكْلِيفِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عِدَّةِ آثَارٍ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية