الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يُمَيِّزُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَيْنَ مَا هُوَ بِعَيْنِهِ حَادِثٌ، وَمَا تَكُونُ آحَادُ نَوْعِهِ حَادِثَةً وَالنَّوْعُ لَمْ يَزَلْ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إِذَا رَأَوْا أَنَّ الْحَرَكَاتِ حَادِثَةٌ، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْأَعْرَاضِ، اعْتَقَدُوا أَنَّ مَا لَا يَسْبِقُ ذَلِكَ فَهُوَ حَادِثٌ، وَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَادِثَ الْمُعَيَّنَ، وَمَا لَا يَسْبِقُ النَّوْعَ الدَّائِمَ الَّذِي آحَادُهُ حَادِثَةٌ، فَهُوَ لَا يَسْبِقُ النَّوْعَ وَإِنَّ سَبَقَ كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهِ. وَلَمَّا تَفَطَّنَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ لِلْفَرْقِ، أَرَادُوا أَنْ يُثْبِتُوا امْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى بِطَرِيقِ التَّطْبِيقِ وَمَا يُشْبِهُهُ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. فَهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ وُجُودَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا عَنْ فَاعِلٍ قَدِيمٍ، وَيُسَلِّمُونَ وُجُودَ فِعْلٍ حَادِثِ الْعَيْنِ عَنْ فَاعِلٍ قَدِيمٍ. وَهُوَ يَقُولُ: الْحَادِثُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ حَادِثٍ، ثُمَّ ذَلِكَ الْحَادِثُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حَادِثٍ، فَيَكُونُ فِعْلُ حَادِثِ الْأَفْرَادِ دَائِمَ النَّوْعِ عَنْ فَاعِلٍ قَدِيمٍ. فَهُوَ يَقُولُ: لَا يُمْكِنُ وُجُودُ حَادِثٍ عَنْ فَاعِلٍ أَزَلِيٍّ إِلَّا بِفِعْلٍ حَادِثٍ الْأَفْرَادِ دَائِمِ النَّوْعِ، وَهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ. قَالَ: وَأَيْضًا إِنْ كَانَ الْفَاعِلُ حِينًا يَفْعَلُ وَحِينًا لَا يَفْعَلُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ عِلَّةٌ صَيَّرَتْهُ بِإِحْدَى الْحَالَتَيْنِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْأُخْرَى، فَلْنَسْأَلْ أَيْضًا فِي تِلْكَ الْعِلَّةِ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ وَفِي عِلَّةِ الْعِلَّةِ، فَيَمُرُّ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. قَالَ: وَمَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي جَوَابِ هَذَا مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ الْحَادِثَ كَانَ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ لَيْسَ بِمُنْجٍ وَلَا مُخُلِّصٍ مِنْ هَذَا الشَّكِّ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ غَيْرُ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِإِيجَادِهِ حَادِثًا، سَوَاءً فَرَضْنَا الْإِرَادَةَ قَدِيمَةً أَوْ حَادِثَةً، مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْفِعْلِ أَوْ مَعَهُ. فَكَيْفَمَا كَانَ فَقَدْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُجَوِّزُوا عَلَى الْقَدِيمِ أَحَدَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا إِرَادَةٌ حَادِثَةٌ وَفِعْلٌ حَادِثٌ، وَإِمَّا فِعْلٌ حَادِثٌ وَإِرَادَةٌ قَدِيمَةٌ، وَإِمَّا فِعْلٌ قَدِيمٌ وَإِرَادَةٌ قَدِيمَةٌ. وَالْحَادِثُ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ فِعْلٍ قَدِيمٍ بِلَا وَاسِطَةٍ، إِنْ سَلَّمْنَا لَهُمْ أَنَّهُ يُوجَدُ عَنْ إِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ. وَوَضْعُ الْإِرَادَةِ نَفْسِهَا هِيَ الْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَفْعُولِ شَيْءٌ لَا يُعْقَلُ، وَهُوَ كَفَرْضِ مَفْعُولٍ بِلَا فَاعِلٍ، فَإِنَّ الْفِعْلَ غَيْرَ الْفَاعِلِ وَغَيْرَ الْمَفْعُولِ وَغَيْرَ الْإِرَادَةِ. وَالْإِرَادَةُ هِيَ شَرْطُ الْفِعْلِ لَا الْفِعْلُ. وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ الْقَدِيمَةُ يَجِبُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِعَدَمِ الْحَادِثِ دَهْرًا لَا نِهَايَةَ لَهُ؛ إِذْ كَانَ الْحَادِثُ مَعْدُومًا دَهْرًا لَا نِهَايَةَ لَهُ فَهِيَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُرَادِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي اقْتَضَتْ إِيجَادَهُ، إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ دَهْرٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ لَا يَنْقَضِي، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَخْرُجَ هَذَا الْمُرَادُ إِلَى الْفِعْلِ، أَوْ يَنْقَضِيَ دَهْرٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ بُرْهَانُ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِي اعْتَمَدُوهُ فِي حُدُوثِ دَوْرَاتِ الْفَلَكِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِرَادَةَ الَّتِي تَتَقَدَّمُ الْمُرَادَ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ دُونَ وَقْتٍ، لَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ فِيهَا فِي وَقْتِ إِيجَادِ الْمُرَادِ عَزْمٌ عَلَى الْإِيجَادِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُرِيدِ فِي وَقْتِ الْفِعْلِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي اقْتَضَتِ الْإِرَادَةُ عَدَمَ الْفِعْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ وُجُودُ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْلَى مِنْ عَدَمِهِ. وَأَيْضًا كَيْفَ يَتَعَيَّنُ وَقْتٌ لِلْحَادِثِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ زَمَانٌ مَاضٍ مَحْدُودُ الطُّرَفِ، إِلَى مَا فِي هَذَا كُلِّهِ مِنَ التَّشْغِيبِ وَالشُّكُوكِ الْعَوِيصَةِ الَّتِي لَا يَخْلُصُ مِنْهَا الْعُلَمَاءُ الْمَهَرَةُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ وَالْحِكْمَةِ، فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ، وَلَوْ كُلِّفَ الْجُمْهُورُ الْعِلْمَ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ لَكَانَ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية