الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا الْكَمُّ الْمُتَّصِلُ فَلَيْسَ يَصْدُقُ ذَلِكَ فِيهِ؛ وَلِذَلِكَ نَقُولُ فِي الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ: أَنَّهُ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، وَلَا نَقُولُ: أَكْثَرُ. وَنَقُولُ فِي الْعَدَدِ: إِنَّهُ أَكْثَرُ وَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ أَكْبَرُ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَتَكُونُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا أَعْدَادًا، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ عِظَمٌ مُتَّصِلٌ أَصْلًا فَتَكُونُ صِنَاعَةُ الْهَنْدَسَةِ هِيَ صِنَاعَةُ الْعَدَدِ بِعَيْنِهَا. وَمِنَ الْمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ بِنِصْفَيْنِ: أَعْنِي الْأَعْظَامَ الثَّلَاثَةَ، الَّتِي هِيَ: الْخَطُّ، وَالسَّطْحُ، وَالْجِسْمُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَمَّ الْمُتَّصِلَ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِ فِي وَسَطِهِ نِهَايَةٌ يَلْتَقِي عِنْدَهَا طَرَفَا الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا، وَلَيْسَ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ. وَلَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْجِسْمَ، وَسَائِرَ أَجْزَاءِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ، يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ، وَكُلُّ مُنْقَسِمٍ فَإِمَّا أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى شَيْءٍ مُنْقَسِمٍ، أَوْ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِ مُنْقَسِمٍ فَإِنِ انْقَسَمَ إِلَى غَيْرِ مُنْقَسِمٍ، فَقَدْ وَجَدْنَا الْجُزْءَ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، وَإِنِ انْقَسَمَ إِلَى مُنْقَسِمٍ عَادَ السُّؤَالُ فِي ذَلِكَ الْمُنْقَسِمِ: هَلْ يَنْقَسِمُ إِلَى مُنْقَسِمٍ أَوْ إِلَى غَيْرِ مُنْقَسِمٍ؟ فَإِنِ انْقَسَمَ إِلَى مُنْقَسِمٍ إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ، كَانَتْ فِي الشَّيْءِ الْمُتَنَاهِي أَجْزَاءٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومَاتِ الْأُولَى أَنَّ أَجْزَاءَ الْمُتَنَاهِي مُتَنَاهِيَةٌ). قُلْتُ: هَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ قَوْلَ النَّظَّامِ وَنَحْوِهِ بِالطَّفْرَةِ، وَقَوْلَ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِقَبُولِ انْقِسَامٍ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ. وَقَدْ أَجَابَ عَنْ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ نُفَاةِ الْجُزْءِ بِأَنَّ كُلَّ مَا يُوجَدُ فَهُوَ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، بِمَعْنَى امْتِيَازِ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْ شَيْءٍ، وَهِيَ الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ الْمَفْرُوضَةُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ وُجُودُ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ بِالْفِعْلِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ أَجْزَاءٌ لَا تَتَنَاهَى، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يَقْبَلُهَا بِالْفِعْلِ، فَإِذَا صَغُرَتْ أَجْزَاؤُهُ فَإِنَّهَا تَسْتَحِيلُ وَتَفْسُدُ وَتَفْنَى، كَمَا تَسْتَحِيلُ أَجْزَاءُ الْمَاءِ الصِّغَارِ هَوَاءً، وَإِذَا اسْتَحَالَتْ عِنْدَ تَنَاهِي صِغَرِهَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً قَاتِلَةً لِانْقِسَامَاتٍ لَا تَتَنَاهَى، وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُ أَجْزَاءٍ لَا تَتَنَاهَى. قَالَ: وَمِنَ الشُّكُوكِ الْمُعْتَاصَةِ الَّتِي تَلْزَمُهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا إِذَا حَدَثَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ: مَا الْقَابِلُ لِنَفْسِ الْحُدُوثِ؟ فَإِنَّ الْحُدُوثَ عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَإِذَا وُجِدَ الْحَادِثُ فَقَدِ ارْتَفَعَ الْحُدُوثُ، فَإِنَّ مِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تُفَارِقُ الْجَوَاهِرَ فَيَضْطَرُّهُمُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَضَعُوا الْحُدُوثَ فِي مَوْجُودٍ مَا وَبِوُجُودٍ مَا. قَلَتْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِحْدَاثَ هُوَ نَفْسُ الْمُحْدَثِ، وَالْمَخْلُوقَ هُوَ نَفْسُ الْخَلْقِ، وَالْمَفْعُولَ هُوَ نَفْسُ الْفِعْلِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ لَا يُسَلِّمُ أَنَّ الْحُدُوثَ عَرَضٌ، وَلَا أَنَّ لَهُ مَحِلًّا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ وُجُودِيًّا، لَكِنَّهُ قَدْ قَدَّمَ إِفْسَادَ هَذَا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَفْعُولِ مِنْ فِعْلٍ. وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: الْإِحْدَاثُ قَائِمٌ بِالْفَاعِلِ الْمُحْدَثِ، وَحُدُوثُ الْحَادِثِ لَيْسَ عَرَضًا مَوْجُودًا قَائِمًا بِشَيْءٍ غَيْرِ إِحْدَاثِ الْمُحْدَثِ. وَيُقَالُ أَيْضًا: إِنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ وَأَنَّ الْمَاهِيَّاتِ فِي الْخَارِجِ زَائِدٌ عَلَى وُجُودِهَا، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَيَكُونُ الْجَوَابُ: أَنَّ الْقَابِلَ لِلْحُدُوثِ هُوَ تِلْكَ الذَّوَاتُ وَالْمَاهِيَّاتُ. لَكِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَتَقَرَّرُ بِطَرِيقَةِ أَصْحَابِهِ الْمَشْهُورَةِ: أَنَّ الْحَادِثَ مَسْبُوقٌ بِالْإِمْكَانِ، وَالْإِمْكَانُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ، فَلَا بُدَّ لِلْمُحْدَثِ مِنْ مَحَلٍّ. قَالَ: (وَأَيْضًا فَقَدْ يَسْأَلُونَ إِنْ كَانَ الْمَوْجُودُ يَكُونُ عَنْ عَدَمٍ، فَبِمَ يَتَعَلَّقُ فِعْلُ الْفَاعِلِ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَسَطٌ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَ فِعْلُ الْفَاعِلِ لَا يَتَعَلَّقُ عِنْدَهُمْ بِالْعَدَمِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ عِنْدَهُمْ بِمَا وُجِدَ وَفُرِغَ مِنْ وُجُودِهِ فَقَدْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَاتٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْنَ الْعَدَمِ وَالْوُجُودِ، وَهَذَا الَّذِي اضْطَرَّ الْمُعْتَزِلَةَ إِلَى أَنْ قَالَتْ: أَنَّ فِي الْقِدَمِ ذَاتًا مَا. وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا -يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ- يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُوجَدَ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بِالْفِعْلِ. وَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِوُجُودِ الْخَلَاءِ). قُلْتُ: هَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ أَنَّ فِعْلَ الْفَاعِلِ وَإِحْدَاثَ الْمُحْدِثِ وَنَحْوُ ذَلِكَ: إِنْ قِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ وَقْتَ عَدَمِهِ، لَزِمَ كَوْنُهُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا. وَإِنْ قِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقْتَ وُجُودِهِ، لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَوُجُودُهُ مَرَّتَيْنِ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حِينَ وُجُودِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ مَوْجُودًا، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا بِدُونِهِ، فَجَعَلَهُ هُوَ أَيْضًا مَوْجُودًا. قَالَ: (فَهَذِهِ الشُّكُوكُ -كَمَا تَرَى- لَيْسَ فِي قُوَّةِ صِنَاعَةِ الْجَدَلِ حَلُّهَا، فَإِذًا يَجِبُ أَنْ لَا يُجْعَلُ هَذَا مَبْدَأً لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَاصَّةً الْجُمْهُورَ، فَإِنَّ طَرِيقَةَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَوْضَحُ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ بَعْدُ مِنْ قَوْلِنَا).

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية